رئيس مجلس الإدارة
عمرو عامر
رئيس مجلس الإدارة
عمرو عامر

بالتزامن مع الذكرى ال8 لافتتاحه.. متحف سوهاج القومي يستعيد حكاية 1,109 قطعة

متحف سوهاج القومي
متحف سوهاج القومي

بالتزامن مع حلول الذكرى الثامنة لافتتاح متحف سوهاج القومي، تعود إلى الواجهة قصة أحد المتاحف الإقليمية المهمة في صعيد مصر، والذي فتح أبوابه أمام الجمهور في 12 أغسطس 2018، ليقدم من خلال مقتنياته صورة واسعة عن تاريخ سوهاج وثرائها الحضاري الممتد عبر عصور مختلفة.

وعلى مدار ثمانية أعوام، أصبح المتحف نافذة للتعرف على جانب مهم من تاريخ المحافظة، من خلال مجموعة تضم 1,109 قطعة أثرية، جرى عرضها وفق موضوعات تسلط الضوء على جوانب متعددة من حياة المصريين، بداية من المعتقدات والطقوس الدينية، مرورًا بالحياة اليومية والفنون والحرف، وصولًا إلى مظاهر التراث التي عكست تطور المجتمع المصري عبر آلاف السنين.

ولا تأتي أهمية المتحف من عدد القطع الموجودة داخله فقط، وإنما من ارتباطه المباشر بالبيئة الأثرية التي نشأ فيها، فسوهاج واحدة من المحافظات التي تحتضن مواقع بالغة الأهمية في تاريخ مصر القديمة، وفي مقدمتها منطقة أبيدوس، التي ارتبطت بمكانة دينية وحضارية كبيرة على مدار فترات طويلة من التاريخ المصري القديم.

متحف يروي قصة المحافظة

https://images.openai.com/static-rsc-4/1oqw9o1KvKdIclQ5dGUn13vpwdEO29J4PhIgDRVlrhJQ2vX1BY-gSRTJjqfR48q-DsbSPi6fo9JlXt3kro3qs_feM7fCvA6hxGzC5o33M6bCazTcyPOvq0vJ76K2u-tT0e_k8XHPlEsg-Jclkaqkt0_QR-bwQReyVzbd62ZFvshFnSb9oykOzaZGdHJTHkCb?purpose=fullsize

منذ اللحظة الأولى لدخول الزائر إلى المتحف، تبدو الفكرة الأساسية واضحة: تقديم تاريخ سوهاج من خلال آثارها.

فالقطع المعروضة لا تظهر باعتبارها عناصر منفصلة، وإنما تأتي ضمن سياق يساعد على فهم طبيعة الحياة التي عاشها المصري القديم، وكيف انعكست معتقداته الدينية والاجتماعية على الفنون والعمارة والطقوس الجنائزية.

ومن خلال هذه المجموعة المتنوعة، يستطيع الزائر تكوين صورة عن الإنسان المصري في مراحل مختلفة، وعن الطريقة التي تعامل بها مع الحياة والموت والآلهة والطبيعة، فضلًا عن الأدوات والمظاهر التي ارتبطت بحياته اليومية.

وهنا تظهر أهمية المتحف في تحويل القطعة الأثرية من مجرد أثر محفوظ داخل صندوق عرض إلى جزء من حكاية أكبر عن الإنسان والمكان والزمن.

1,109 قطعة.. ذاكرة أثرية تحت سقف واحد

تضم قاعات المتحف 1,109 قطعة أثرية تنتمي إلى عصور مختلفة، وهو ما يمنح المتحف تنوعًا واضحًا في محتواه.

ويتيح هذا التنوع للزائر فرصة الانتقال بين موضوعات متعددة دون أن يظل محصورًا في فترة تاريخية واحدة، فكل مجموعة تفتح بابًا لفهم جانب مختلف من الحضارة المصرية.

كما أن عرض القطع وفق موضوعات مرتبطة بحياة المصريين ومعتقداتهم يجعل التجربة أكثر ارتباطًا بالإنسان، بدلًا من الاقتصار على التسلسل الزمني للأحداث.

واجهة تستلهم أحد أهم معابد سوهاج

ولا تتوقف خصوصية متحف سوهاج القومي عند ما يوجد داخل قاعاته، فالمبنى نفسه يحمل إشارة مباشرة إلى التراث الأثري للمحافظة.

فقد استُلهم تصميم واجهته من معبد سيتي الأول بأبيدوس، أحد أشهر المواقع الأثرية في سوهاج، ليصبح المبنى في حد ذاته جزءًا من الرسالة التي يقدمها المتحف.

وهذه الاستفادة من العمارة التاريخية تمنح الزائر إحساسًا بأنه يدخل إلى مكان مرتبط بشكل مباشر بالبيئة الحضارية التي جاءت منها القطع المعروضة.

وبذلك يصبح المتحف تجربة تبدأ من الخارج قبل أن ينتقل الزائر إلى قاعات العرض ومقتنياتها.

أبيدوس.. الاسم الذي لا ينفصل عن سوهاج

9 معلومات عن مقبرة حاكم الصعيد "وني"

عند الحديث عن التراث الأثري في سوهاج، تبرز أبيدوس باعتبارها واحدة من أهم النقاط التي شكلت تاريخ المنطقة.فالموقع ارتبط بمكانة دينية كبيرة في مصر القديمة، وكان له حضور قوي في المعتقدات المصرية، وهو ما انعكس على المعابد والمقابر والنقوش التي تركها المصريون القدماء في المنطقة.

ولهذا فإن وجود متحف قومي داخل المحافظة يقدم آثارًا مرتبطة بتاريخها يمنح الزائر فرصة لفهم العلاقة بين القطع الأثرية والمواقع التي جاءت منها، ويجعل المتحف مكملًا مهمًا للزيارة الأثرية على أرض سوهاج.

من المتحف إلى الموقع الأثري

يمكن النظر إلى متحف سوهاج باعتباره نقطة بداية لرحلة أوسع في تاريخ المحافظة.

فالزائر الذي يتعرف داخل المتحف على جوانب من الحضارة المصرية القديمة يمكنه الانتقال بعد ذلك إلى المواقع الأثرية المنتشرة في سوهاج، ليشاهد على أرض الواقع المعابد والمقابر والنقوش التي شكلت جزءًا من هذه القصة.

وهذا الربط بين المتحف والمواقع الأثرية يمثل عنصرًا مهمًا في دعم السياحة الثقافية، خصوصًا أن المتاحف الإقليمية يمكن أن تلعب دورًا في تعريف السائح بالمناطق التي قد لا تكون مدرجة دائمًا ضمن المسارات السياحية التقليدية.

ثمانية أعوام من الذاكرة الثقافية

ومع حلول الذكرى الثامنة للافتتاح، لا تبدو المناسبة مجرد احتفال بتاريخ إنشاء المتحف، وإنما فرصة لإعادة التأكيد على أهمية المتاحف الإقليمية في مصر.

فالمتحف لا يخدم الزائر القادم من خارج المحافظة فقط، وإنما يمثل مساحة ثقافية لأبناء سوهاج أنفسهم، وخاصة الأطفال والشباب، الذين يمكنهم التعرف على تاريخ المكان الذي يعيشون فيه من خلال آثار حقيقية.

كما تتيح هذه المؤسسات الثقافية للأجيال الجديدة فرصة رؤية ما قرأوه في الكتب بصورة مباشرة، وهو ما يساعد على تعزيز الوعي بأهمية الحفاظ على التراث والآثار.

المتحف والهوية المحلية

واحدة من أهم وظائف المتحف تتمثل في تعزيز ارتباط المجتمع المحلي بتراثه.

فعندما يرى أبناء المحافظة تاريخ أجدادهم معروضًا أمامهم، تصبح الآثار جزءًا من الهوية اليومية وليس مجرد مواقع بعيدة أو حكايات تاريخية.

وهنا تتحول القطعة الأثرية إلى وسيلة للتواصل بين الماضي والحاضر، بينما يصبح المتحف مكانًا يمكن من خلاله طرح أسئلة حول كيفية الحفاظ على هذا التراث ونقله إلى المستقبل.

السياحة الثقافية تبحث عن مسارات جديدة

وفي ظل الاهتمام بتوسيع خريطة السياحة المصرية وعدم حصر الحركة السياحية في عدد محدود من المدن، تكتسب المتاحف الإقليمية أهمية إضافية.

فسوهاج بما تمتلكه من مواقع أثرية، إلى جانب متحفها القومي، لديها مقومات تسمح ببناء تجربة سياحية تعتمد على التاريخ والحضارة.

ويمكن أن يمثل المتحف نقطة تجمع للزائر قبل الانتقال إلى المواقع الأثرية، كما يمكن أن يكون محطة مهمة ضمن برامج سياحية أطول تستهدف استكشاف صعيد مصر بعيدًا عن المسارات التقليدية.

مبنى يحكي قبل أن تُعرض القطع

Ancient Egyptian Helicopter. I wanted to delve into a small section… | by Adam Hennessy | Medium

ربما تكمن إحدى أبرز نقاط تميز متحف سوهاج في أن الحكاية لا تبدأ من القطع الأثرية فقط.

فالواجهة المستوحاة من معبد سيتي الأول بأبيدوس تضع الزائر منذ البداية في أجواء مرتبطة بتاريخ المكان، ثم تأتي المقتنيات لتكمل هذه الصورة.

وبين العمارة والمقتنيات، تتشكل رواية واحدة عن سوهاج؛ محافظة تحمل فوق أرضها آثارًا تركها المصريون القدماء، وتحتفظ داخل متحفها بجزء من هذه الذاكرة.

بعد 8 سنوات.. ماذا تمثل الذكرى؟

ثمانية أعوام مرت منذ افتتاح المتحف، خلالها أصبح واحدًا من العلامات الثقافية والأثرية في المحافظة.

وتحمل ذكرى الافتتاح فرصة للتذكير بأن الحفاظ على الآثار لا يعني فقط ترميمها أو وضعها خلف الزجاج، وإنما يعني أيضًا تقديمها للجمهور وإعادة سرد قصتها بصورة تجعلها مفهومة وقريبة من الأجيال الجديدة.

فالأثر الذي لا يعرف الناس قصته قد يتحول إلى مجرد قطعة صامتة، بينما يمكن للعرض المتحفي الجيد أن يمنحه صوتًا جديدًا، ويعيد ربطه بالإنسان الذي صنعه قبل آلاف السنين.

8 سنوات.. والحكاية مستمرة

وبالتزامن مع الذكرى الثامنة لافتتاح متحف سوهاج القومي، تظل 1,109 قطعة أثرية شاهدة على جانب من تاريخ المحافظة، بينما يظل المبنى نفسه مستحضرًا صورة معبد سيتي الأول في أبيدوس.

وبين قاعات العرض والمقتنيات والعمارة المستوحاة من أحد أهم معابد المنطقة، يقدم المتحف نموذجًا لكيف يمكن للمتحف الإقليمي أن يجمع بين حفظ التراث ونشر المعرفة ودعم السياحة وتعزيز الهوية المحلية.

ففي سوهاج، لا تنتهي الحكاية عند باب المتحف، وإنما تمتد إلى أبيدوس والمواقع الأثرية المحيطة، وإلى كل قصة تركها المصري القديم على الحجر.

وبعد ثمانية أعوام من افتتاحه، يبقى السؤال الأهم ليس فقط كم قطعة يضم المتحف، وإنما كم حكاية استطاع أن يعيدها إلى الذاكرة، وكم جيلًا جديدًا يمكنه أن يرى في هذه الآثار جزءًا من تاريخه وهويته ومستقبله.

تم نسخ الرابط