داخل أكبر مكتبة متخصصة في الحضارة المصرية، رحلة إلى عقل المتحف المصري الكبير
لم يعد المتحف في القرن الحادي والعشرين مجرد قاعات لعرض القطع الأثرية، بل تحول إلى مؤسسة معرفية متكاملة تُنتج العلم بقدر ما تعرض التاريخ.
ومن هذا المنطلق، يمثل افتتاح مكتبة المتحف المصري الكبير خطوة جديدة في مسيرة هذا الصرح العالمي، لتكون بمثابة "العقل" الذي يدير المعرفة، ويدعم البحث العلمي، ويجمع الباحثين من مختلف دول العالم تحت سقف واحد.
فالمتحف المصري الكبير، الذي يستعد ليكون أكبر متحف في العالم مخصص لحضارة واحدة، يضيف إلى منظومته العلمية مكتبة بحثية حديثة، صُممت وفق أحدث المعايير الدولية، لتتحول إلى مركز متخصص في علوم المصريات والآثار والترميم والمتاحف، وليصبح المتحف ليس فقط وجهة للزوار، وإنما مؤسسة أكاديمية قادرة على إنتاج المعرفة وصناعة المستقبل.
17 ألف مجلد متخصص بلغات متعددة

ويضم هذا الصرح البحثي نحو 17 ألف مجلد متخصص بلغات متعددة، تشمل علوم المصريات، والآثار، والترميم، وعلم المتاحف، والأنثروبولوجيا، والعمارة، والتاريخ، والتراث الثقافي، وهو ما يمنح الباحثين قاعدة معرفية ضخمة تسهم في دعم الدراسات العلمية، وإعداد الرسائل الجامعية، وتطوير المناهج البحثية.
ولا تقتصر أهمية المكتبة على حجم مقتنياتها، وإنما تمتد إلى طبيعة الخدمات التي تقدمها، إذ جُهزت بأحدث الوسائل التقنية التي تسمح بتنظيم المؤتمرات العلمية، واستضافة الندوات الدولية، وعقد الدورات التدريبية وورش العمل المتخصصة، لتتحول إلى منصة للحوار العلمي وتبادل الخبرات بين الخبراء المصريين والدوليين.
ويؤكد خبراء المتاحف أن المكتبات البحثية أصبحت اليوم أحد أهم معايير تصنيف المتاحف العالمية، حيث تعتمد المؤسسات الثقافية الكبرى على البحث العلمي في تطوير أساليب العرض، وإدارة المجموعات الأثرية، والحفاظ على التراث، وهو ما يجعل افتتاح مكتبة المتحف المصري الكبير خطوة استراتيجية تتجاوز فكرة إنشاء قاعة للكتب إلى بناء مؤسسة علمية متكاملة.
ثمرة تعاون مصري فرنسي بدأ عام 2022

وجاء إنشاء المكتبة ثمرة تعاون مصري فرنسي بدأ عام 2022، في إطار شراكة تستند إلى تاريخ طويل من التعاون في مجال علم المصريات، حيث شارك الجانب الفرنسي في تصميم المكتبة وتطويرها ونقل الخبرات الفنية اللازمة لإنشائها، بما يعكس عمق العلاقات الثقافية بين البلدين.
ويظهر هذا التعاون في التصميم الداخلي للمكتبة، الذي يجمع بين الطابع المعماري للمتحف المصري الكبير وروح التصميم الفرنسي المعاصر، ليقدم نموذجًا يجمع بين الحداثة والهوية الثقافية، ويمنح الباحثين بيئة عمل تتوافق مع أفضل الممارسات العالمية.
وخلال افتتاح المكتبة، أكد وزير السياحة والآثار شريف فتحي أن المشروع يمثل إضافة نوعية للمتحف المصري الكبير، موضحًا أن المتحف لم يعد مجرد مكان لعرض الآثار، بل أصبح مركزًا عالميًا للتميز والبحث العلمي والتطوير، بما يضمه من معامل متقدمة للترميم والحفاظ على الآثار، إلى جانب تطوير أساليب العرض المتحفي.
آفاقًا جديدة أمام الباحثين والمتخصصين، وتسهم في تعزيز الدور الدولي للمتحف
واشار الوزير إلى أن المكتبة ستفتح آفاقًا جديدة أمام الباحثين والمتخصصين، وتسهم في تعزيز الدور الدولي للمتحف، وترسيخ مكانته كمركز عالمي للبحث العلمي والحوار الثقافي، فضلًا عن دعم التعاون مع المؤسسات العلمية الدولية.
كما أوضح أن التعاون المصري الفرنسي في قطاعي الآثار والسياحة يشهد نموًا ملحوظًا، مؤكدًا استمرار العمل على تنفيذ مشروعات مشتركة في مجالات التدريب، وبناء القدرات، وتبادل الخبرات، بما يعزز مكانة مصر على خريطة البحث العلمي والسياحة الثقافية.

من جانبه، وصف الرئيس التنفيذي للمتحف المصري الكبير الدكتور أحمد غنيم افتتاح المكتبة بأنه محطة جديدة في رحلة المتحف نحو التحول إلى واحدة من أهم المؤسسات الثقافية والعلمية في العالم، مؤكدًا أن المكتبة تعكس التزام المتحف بوضع البحث العلمي في قلب رسالته.
مركزًا نابضًا بالحياة
وأشار إلى أن المكتبة ستصبح مركزًا نابضًا بالحياة يلتقي فيه الباحثون المصريون والدوليون، وتنطلق منه مشروعات بحثية جديدة، وشراكات تخدم التراث الإنساني، مؤكدًا أن الاستثمار في المكتبات البحثية هو استثمار في مستقبل الثقافة.
اما السفير الفرنسي بالقاهرة إيريك شوفالييه، فأكد أن المكتبة لن تكون مجرد مكان لحفظ الكتب، وإنما مركزًا عالميًا لتبادل المعرفة في مجال علم المصريات، ومحطة جديدة في مسيرة التعاون المصري الفرنسي الممتدة لأكثر من مائتي عام.
وترى الدكتورة زينب محمد، مدير البحث العلمي والنشر والمكتبات بالمتحف، أن المكتبة صُممت لتكون مركزًا ديناميكيًا للمعرفة، قادرًا على استضافة البرامج التدريبية والفعاليات العلمية، وتوفير بيئة تفاعلية تجمع العلماء والخبراء والباحثين من مختلف أنحاء العالم.
تحولًا في مفهوم المتحف المصري الحديث
ويمثل افتتاح مكتبة المتحف المصري الكبير تحولًا في مفهوم المتحف المصري الحديث، الذي لم يعد يكتفي بالحفاظ على الماضي، بل يسعى إلى صناعة المستقبل من خلال دعم البحث العلمي، وتطوير الكوادر، وإنتاج المعرفة، بما يعزز من مكانة مصر باعتبارها واحدة من أهم المراكز العالمية لدراسة الحضارة المصرية القديمة.
وفي ظل التوسع المستمر في البعثات الأثرية، وازدياد الاكتشافات العلمية، تبدو المكتبة الجديدة بمثابة القلب النابض للبحث داخل المتحف، وعنوانًا لمرحلة جديدة تتحول فيها المعرفة إلى أحد أهم أدوات حماية التراث، وترسيخ ريادة مصر في علوم الآثار على المستوى الدولي.





