رئيس مجلس الإدارة
عمرو عامر
رئيس مجلس الإدارة
عمرو عامر

من هو الملك يوسف، الحقيقة التاريخية وراء حاكم مصر المفقود

من هو الملك يوسف؟
من هو "الملك يوسف"؟ الحقيقة التاريخية وراء حاكم مصر المفقود.

تظل قصة الصعود المدوي لشاب عبراني من غياهب السجن إلى سدة الحكم في مصر القديمة، واحدة من أكثر السرديات إثارة للشغف في التاريخ الإنساني.

 وبينما تفصل النصوص المقدسة في القرآن الكريم والعهد القديم كيف أدار هذا الوزير -النبي يوسف عليه السلام- أزمة اقتصادية ومناخية طاحنة أنقذت البلاد من مجاعة دامت سبع سنوات، يطرح السؤال الصعب نفسه في أروقة علم الآثار:

 من هو هذا "العزيز" في السجلات والبرديات المصرية القديمة؟

هذا التحقيق يستعرض التقاطعات المثيرة بين النص الديني والاكتشافات الأثرية، محاولًا فك شفرة الحقبة التاريخية التي عاش فيها "منقذ مصر".

دقة اللقب: "الملك" وليس "الفرعون"

من أبرز الأدلة اللغوية والتاريخية التي استند إليها الباحثون في تحديد الحقبة، تلك اللفتة الدقيقة في النص القرآني، حيث وُصف حاكم مصر في زمن يوسف بـ "الملك"، بينما وُصف حاكمها في زمن موسى بـ "الفرعون".

ومن الناحية الأثرية، يتطابق ذلك مع عصر الانتقال الثاني (حقبة الهكسوس)، فقد كان الهكسوس حكامًا أجانب من أصول سامية (آسيوية) احتلوا شمال مصر، ولم يكن لقب "فرعون" قد استُخدم بعد كلقب رسمي للحاكم، بل كان اللقب المتداول هو "الملك".

 كما أن أصولهم الآسيوية تفسر، منطقيًا، تقبّل البلاط الملكي لصعود شخص عبراني (سامي) ليصبح الرجل الثاني في الدولة ويُمنح لقب "العزيز" (رئيس الوزراء).

الفرضيات الأثرية: بحثًا عن "الوزير المفقود"

نظرًا لأن الأسماء العبرية تختلف عن الأسماء والتعابير المصرية الرسمية، ولم يظهر اسم "يوسف" صراحة في الخراطيش الملكية، كونه وزيرًا وليس ملكًا متوجًا، فقد وضع علماء الآثار والمؤرخون ثلاث فرضيات رئيسية لتحديد هويته.

فرضية الوزير العبقري "إيمحوتب"

الشواهد: يربط بعض الباحثين بين يوسف والوزير العبقري "إيمحوتب" في عهد الملك زوسر (الأسرة الثالثة). 

وتستند هذه الفرضية إلى لوحة المجاعة الشهيرة في جزيرة سهيل بأسوان، التي تتحدث عن سبع سنوات من الجفاف ونقص فيضان النيل، وكيف أنقذ إيمحوتب البلاد بتخطيطه الحكيم.

العقبة الأثرية: يرفض غالبية الأثريين هذه النظرية؛ إذ عاش إيمحوتب في عصر الدولة القديمة (حوالي 2600 قبل الميلاد)، وهي حقبة مبكرة جدًا لا تتوافق مع التسلسل الزمني للأنبياء.

فرضية المستشار الملكي "يويا" (Yuya)

الشواهد: ذهب باحثون، من بينهم عالم الآثار أحمد عثمان، إلى أن يوسف هو "يويا"، المستشار الرفيع للملك أمنحتب الثالث (الأسرة الثامنة عشرة). 

وكان يويا من أصول أجنبية، وحمل ألقابًا استثنائية مثل "أب الفرعون". وعندما كُشفت مقبرته في وادي الملوك، أظهرت مومياؤه ملامح سامية واضحة تختلف عن الملامح المصرية التقليدية.

العقبة الأثرية: 

يعترض كثير من الباحثين على هذه الفرضية، لأن عصر يويا يقع في قلب الدولة الحديثة، بينما تشير المعطيات التاريخية لقصة يوسف إلى حقبة أقدم.

فرضية "الوزير المجهول"

 في عصر الهكسوس (الأكثر قبولًا)يميل قطاع واسع من المؤرخين إلى أن يوسف عاصر أحد ملوك الهكسوس، ويُرجح بعضهم أنه الملك "أبوفيس".

 وتفسر هذه النظرية غياب اسم يوسف من النقوش، إذ قام ملوك مصر، بعد طرد الهكسوس وتأسيس الدولة الحديثة، بحملة واسعة لمحو آثار تلك الحقبة باعتبارها فترة احتلال أجنبي، ما أدى إلى ضياع كثير من الوثائق الرسمية التي ربما سجلت إنجازات يوسف الاقتصادية.

شواهد مادية تدعم البيئة التاريخية للقصة

إذا كان الاسم غائبًا، فإن البيئة الإدارية والاجتماعية للقصة تجد ظلالًا واضحة في الاكتشافات الأثرية المصرية.

بحر يوسف بالفيوم:

 قناة مائية طبيعية تتفرع من النيل إلى منخفض الفيوم، ارتبطت في الوجدان الشعبي والتاريخي بالنبي يوسف، ويُعتقد أن تنظيمها واستغلالها في الري وتخزين المياه يعود إلى عهده.

جدارية بني حسن (المنيا):

 تضم مقبرة الحاكم المحلي "خنوم حتب الثاني" جدارية شهيرة من عصر الأسرة الثانية عشرة، تُظهر وصول جماعات آسيوية (سامية) إلى مصر بملابسهم المميزة، وهو ما يمثل دليلًا أثريًا على أن هجرة المجموعات السامية إلى مصر كانت ظاهرة معروفة وموثقة.

منظومة صوامع الغلال: 

كشفت الحفريات في مناطق الدلتا، خاصة في تل الضبعة عاصمة الهكسوس القديمة، عن صوامع ضخمة لتخزين الحبوب، بما يعكس وجود جهاز إداري متطور لإدارة الاحتياطي الغذائي والاستعداد لفترات القحط.

ختاماً

من الناحية الأثرية البحتة، لا يوجد حتى الآن نقش مصري يحمل اسم النبي يوسف بصيغته العبرية، وهو أمر يراه كثير من الباحثين طبيعيًا في ظل ضياع أو محو جانب كبير من سجلات عصر الهكسوس.

 ومع ذلك، فإن عدداً من الباحثين يرون أن تقاطع الألقاب السياسية، وطرق إدارة الغلال، وشواهد الهجرات السامية، والبنية الإدارية والاقتصادية في مصر القديمة، يوفر سياقًا تاريخيًا يتوافق مع أحداث القصة.

 ويبقى تحديد الهوية التاريخية لـ"عزيز مصر" فرضية بحثية مفتوحة، في انتظار ما قد تكشفه الاكتشافات الأثرية المستقبلية.

تم نسخ الرابط