رئيس مجلس الإدارة
عمرو عامر
رئيس مجلس الإدارة
عمرو عامر

مصر القديمة ملاذ الفارين، قراءة تاريخية في اليوم العالمي للاجئين

قطعة أثرية
قطعة أثرية

بينما يحيي العالم اليوم، العشرين من يونيو، اليوم العالمي للاجئين تكريماً لشجاعة الملايين الذين أجبروا على الفرار من أوطانهم هرباً من النزاعات والاضطهاد، تعيد القراءة التاريخية للآثار المصرية تسليط الضوء على جذور هذه الممارسة الإنسانية، لتكشف أن إغاثة الغرباء واستقبال الفارين من المجاعات والحروب كانت جزءاً من الفكر السياسي والأخلاقي في مصر القديمة قبل آلاف السنين.

فمنذ فجر التاريخ، لم تكن الدولة المصرية مجرد قوة عسكرية واقتصادية كبرى، بل مثّلت في أوقات مختلفة ملاذاً آمناً لبعض الشعوب المجاورة وقت الأزمات، مدفوعة بفلسفة «ماعت» التي ارتبطت بالعدالة والنظام وإغاثة المحتاجين.

 

سياسة استقبال الوافدين.. نظام إداري منظم

لم تكن استضافة الوافدين في مصر القديمة تتم بصورة عشوائية، بل خضعت لإجراءات إدارية ورقابية. وتشير الوثائق الأثرية إلى أن نقاط المراقبة الحدودية، خصوصاً في حصون شرق الدلتا، كانت تشرف على حركة العابرين القادمين من المناطق المجاورة.

وتُعد «بردية أنستاسي السادسة» من أهم الشواهد على ذلك، إذ تسجل تقريراً إدارياً من عصر الدولة الحديثة يفيد بالسماح لبعض قبائل الشاسو القادمة من أدوم بالعبور إلى منطقة بيتوم بحثاً عن الماء والمرعى لإنقاذ حياتهم وحياة مواشيهم من المجاعة.

وجاء في نص البردية: «لقد انتهينا من السماح لقبائل الشاسو من أدوم بالمرور عبر حصن ميرنبتاح في ثاكو إلى برك بيتوم، لتبقى الرعية على قيد الحياة ولتبقى مواشيهم حية».

مقبرة حور محب.. شهادة مصورة على معاناة الفارين

في جبانة سقارة، تضم مقبرة القائد العسكري والوزير حور محب مشاهد لوافدين من مناطق آسيوية وليبية، يظهرون في أوضاع تعكس طلب الحماية أو الخضوع للسلطة المصرية.

ويرى بعض الباحثين أن هذه النقوش تعكس استقبال مجموعات نزحت بسبب الاضطرابات أو المجاعات، بينما يربط آخرون بينها وبين حركة الأسرى والتابعين السياسيين، ما يجعل تفسيرها محل نقاش أكاديمي مستمر.

ماعت وكتاب الموتى..البعد الإنساني في العقيدة المصرية 

لم يكن إطعام الجائع أو مساعدة المحتاج مجرد سلوك اجتماعي، بل ارتبط بالمعتقدات الدينية للمصري القديم. فوفقاً لفلسفة «ماعت»، كان تحقيق العدالة ومساعدة الضعفاء من أهم القيم التي يتقرب بها الإنسان إلى الآلهة.

وفي «كتاب الموتى»، يعلن المتوفى أمام المحكمة الإلهية: «أعطيت خبزاً للجائع، وماءً للعطشان، وكساءً للعاري»، كما حملت نصوص الحكمة المصرية، ومنها «تعاليم أمينيموبي»، دعوات إلى احترام الغرباء وعدم الاعتداء على حقوقهم. 

في اليوم العالمي للاجئين، تبرز التجربة المصرية القديمة بوصفها شاهداً مبكراً على قيم التعاطف وإغاثة المنكوبين، لتؤكد أن قوة الدول لا تقاس فقط بجيوشها وأسوارها، بل أيضاً بقدرتها على مد يد العون للإنسان وقت الشدة.

تم نسخ الرابط