قرص الشمس وقبلة أب.. قراءة في اللوحة الأكثر حميمية في تاريخ الفن
تُعد اللوحة الحجرية التي تجمع الملك إخناتون بالملكة نفرتيتي وثلاثاً من بناتهما واحدة من أشهر روائع فن العمارنة، ومن أكثر المشاهد الإنسانية إثارة للدهشة في الفن المصري القديم. فالقطعة، المحفوظة اليوم في متحف برلين، لا توثق مجرد لحظة عائلية، بل تختزل ثورة فنية ودينية كاملة قادها إخناتون في القرن الرابع عشر قبل الميلاد.
الثورة الفنية.. حين دخلت المشاعر إلى الفن الملكي
على خلاف الفن المصري التقليدي الذي اعتاد تصوير الملوك في أوضاع رسمية جامدة تعكس القوة والهيبة، تقدم هذه اللوحة مشهداً أسرياً دافئاً وغير مسبوق في تاريخ الفراعنة.
يظهر إخناتون جالساً وهو يحمل إحدى الأميرات الصغيرات ويطبع قبلة أبوية على وجنتها، بينما تجلس نفرتيتي في مواجهته تحتضن ابنتين أخريين، وتبدو إحداهما وهي تمد يدها لتلامس قرط والدتها في تفصيلة عفوية نادرة.
وينتمي العمل إلى الأسلوب الفني لعصر العمارنة، الذي اتسم بالميل إلى الواقعية والتعبير عن الحركة والمشاعر، مع إبراز ملامح جسدية غير مألوفة مثل الرقاب الطويلة والرؤوس الممتدة والبطون البارزة، في محاولة لإضفاء هوية بصرية جديدة تميز عهد إخناتون.
قرص الشمس.. حضور الإله في قلب العائلة
لا تقتصر أهمية اللوحة على بعدها الإنساني، بل تحمل أيضاً رسالة دينية وسياسية واضحة. ففي أعلى المشهد يتصدر قرص الشمس «آتون» السماء، وترسل أشعته المتعددة أيادي صغيرة تحمل علامة «العنخ»، رمز الحياة، نحو أنفي الملك والملكة.
ويعكس هذا التصوير جوهر العقيدة الأتونية التي تبناها إخناتون، حيث أصبح آتون الإله الأوحد المانح للحياة، بينما يقدم الملك وزوجته باعتبارهما الوسيطين الرئيسيين بين الإله والعالم الأرضي.
تحفة تتجاوز الزمن
بعد أكثر من ثلاثة آلاف عام، ما زالت هذه اللوحة تُعد من أكثر الأعمال الفنية المصرية القديمة قدرة على إثارة التعاطف والدهشة في آن واحد؛ فهي لا تُظهر ملكاً فاتحاً أو حاكماً مهيباً، بل أباً يقبّل طفلته، وأماً تداعب ابنتها، وعائلة تجتمع تحت أشعة الشمس في مشهد يبدو أقرب إلى صورة عائلية التُقطت بالأمس.





