رئيس مجلس الإدارة
عمرو عامر
رئيس مجلس الإدارة
عمرو عامر

أطباء الحضارة، كيف تعيد أنامل المرممين الشباب الحياة إلى ألوان التاريخ؟

شاب مصري يقوم بترميم
شاب مصري يقوم بترميم إحدى القطع الأثرية

بينما يكتفي آلاف السياح بالتقاط الصور التذكارية والانبهار بشموخ الأعمدة والتماثيل في المعابد والمتاحف، يقف شاب في أواخر العشرينيات ممسكاً بمشرط دقيق وفرشاة ناعمة للغاية، مثبتاً عينيه خلف عدسة مكبرة.

إنه لا ينظر إلى مجرد حجر أصم، بل يقرأ نبض التاريخ. هنا، في قلب المعابد المفتوحة ومختبرات المتاحف، يعمل مئات المرممين والأثريين الشباب كـ«أطباء حضارة» يداوون جراح الزمن التي تركتها آلاف السنين على جدراننا التاريخية.

مواجهة صامتة مع الزمن

العمل في ترميم الآثار ليس مجرد وظيفة، بل هو مزيج معقد من العلم الدقيق والفن والصبر. في جولة ميدانية رصدت كواليس العمل داخل معابد الكرنك العريقة ومتحف «إيمحتب» بسقارة، يتضح أن الرحلة تبدأ قبل ملامسة الأثر بأسابيع، حيث تخضع القطع أولاً لعمليات توثيق رقمي وفحص ثلاثي الأبعاد (3D Scanning)، إلى جانب تحليل مكونات الألوان والمواد كيميائياً، لضمان استخدام مواد ومحاليل آمنة تماماً.

والمذهل في الأمر هو كيف ينجح هؤلاء الشباب، عبر ساعات طويلة من العمل الدؤوب تحت أشعة الشمس أو داخل المختبرات المعقمة، في إزالة طبقات السناج والتكلسات وآثار الرطوبة المتراكمة عبر القرون، ليُفاجأ العالم بعودة الألوان الملكية الأصيلة ــ من الأزرق اللازوردي إلى الأحمر المغرة ــ زاهية وكأنها رُسمت بالأمس.

كواليس ما وراء المعارض المؤقتة

لا تتوقف هذه الجهود عند المواقع المفتوحة، بل تمتد لتواكب حراكاً دبلوماسياً وأثرياً ضخماً نجحت من خلاله الدولة في استرداد عدد من القطع الأثرية النادرة من الخارج. وفور وصول هذه القطع إلى المطارات، تتحول قاعات المتاحف الوطنية إلى خلايا نحل لا تهدأ.

يقول أحد الأثريين الشباب المشاركين في لجان الفحص

«لحظة فتح صناديق الأثر المسترد تشبه قراءة رسالة من الماضي. ننسى التعب فور الاطمئنان على سلامة القطعة، ويبدأ سباق مع الزمن لتجهيز العرض المتحفي بشكل يروي للجمهور كواليس قصة عودتها».

وقد أسهم هذا التناغم بين الترميم الميداني وإعادة العرض الجاذب في تحقيق قفزة ملحوظة في الإقبال السياحي المحلي والأجنبي، إذ أصبح الزائر يبحث عن «القصة والكواليس» قبل مشاهدة الأثر نفسه.

حراس الهوية

رحلة السائح تبدأ وتنتهي بصورة تذكارية، لكن وراء هذه الصورة جيش صامت يرتدي المعاطف البيضاء ويحمل مشارط الجراحين. لا يبحث هؤلاء عن الأضواء، بل يكتفون برؤية بريق الانبهار في عيون الزائرين، لتظل الحضارة حية، تنبض بالألوان، وتحكي للعالم قصة بشر عاشوا على هذه الأرض وصنعوا المجد.

تم نسخ الرابط