وثيقة ملكية نادرة تزيح الستار عن أقدم روابط السيطرة الفرعونية بالصحراء الغربية
عثرت البعثة الأثرية المصرية التابعة لـ المجلس الأعلى للآثار على لوحة حجرية بالغة الأهمية ترجع إلى عهد الملك أمنحتب الثاني، أحد أبرز ملوك الأسرة الثامنة عشرة في عصر الدولة الحديثة.
الكشف عن لوحة حجرية ترجع لعهد الملك أمنحتب الثاني
ويمثل هذا الكشف نقطة تحول جوهرية في فهم الجغرافيا السياسية لمصر القديمة، إذ يقدم دليلاً مادياً ونصياً يثبت الارتباط الإداري والعقائدي الوثيق بين الواحات البحرية والدولة المصرية المركزية منذ عصر الدولة الحديثة، قبل قرون طويلة من تشييد الهيكل الحالي للمعبد خلال عهد الأسرة السادسة والعشرين الصاوية.
ويكتسب هذا الاكتشاف أهمية استثنائية لأنه يعيد رسم التسلسل الزمني للاستيطان والنشاط الرسمي بالموقع، ويؤكد أن منطقة القصر القديم لم تكن مجرد مركز محلي ظهر خلال العصر المتأخر، بل كانت جزءاً من منظومة استراتيجية اهتمت بها السلطة الملكية منذ ذروة الإمبراطورية المصرية في الدولة الحديثة.
وارتبط عهد أمنحتب الثاني بحملات عسكرية واسعة وسياسة نشطة لتأمين أطراف البلاد ومسالكها الصحراوية، وهو ما يفسر وجود آثار تحمل اسمه في واحدة من أهم الواحات الواقعة على طرق التجارة والاتصال بين وادي النيل والصحراء الغربية.
ويعد العثور على هذه اللوحة، إلى جانب أجزاء أثرية أخرى تعود إلى عهد الملك رمسيس الثاني، يبرهن على أن موقع القصر القديم شهد نشاطاً عمرانياً ودينياً متواصلاً على مدار قرون طويلة، وأن الأسرة السادسة والعشرين ربما أعادت إحياء موقع كان يتمتع بالفعل بمكانة مقدسة وإدارية راسخة.
النقوش المحفورة على اللوحة
كما تكشف النقوش المحفورة على اللوحة عن حرص ملوك الدولة الحديثة على ترسيخ حضورهم الرمزي في الواحات من خلال إقامة النصب التذكارية واللوحات الملكية التي تحمل ألقابهم الرسمية وصورهم التعبدية، بما يعكس دور الواحات البحرية كحلقة وصل مهمة بين قلب الدولة المصرية وأطرافها الغربية.
ويفتح هذا الكشف آفاقاً جديدة أمام الباحثين لدراسة طبيعة العلاقات الاقتصادية والدينية التي ربطت سكان الواحات بالإدارة المركزية في طيبة ومنف، فضلاً عن إعادة تقييم الدور الذي لعبته هذه المناطق الصحراوية في تأمين الحدود الغربية ومراقبة طرق القوافل وتأمين مصادر المياه والموارد الطبيعية. كما يضيف بعداً جديداً إلى تاريخ معبد «إيب-ست» المعروف باسم «مقر القلب»، ليصبح شاهداً على مراحل متعاقبة من الحضور الملكي المصري امتدت من عصر الدولة الحديثة وحتى العصر الصاوي.
وتعد القطعة عبارة عن لوحة تذكارية من الحجر الجيري ذات قمة مستديرة من طراز اللوحات الجنائزية والاحتفالية الشائع خلال عصر الدولة الحديثة، وقد استخرجت بحالة حفظ جيدة نسبياً سمحت بقراءة تفاصيلها الفنية والنصية.
الوصف الأثري والدلالة الفنية للقطعة:
ينقسم سطح اللوحة إلى سجلين رئيسيين؛ يحتل السجل العلوي مشهداً دينياً بارزاً يجسد الملك أمنحتب الثاني واقفاً في وضع تعبدي، مرتدياً التاج المزدوج الذي يرمز إلى سيادته على مصر العليا والسفلى، بينما يمد يديه لتقديم القرابين أو أداء طقس شعائري أمام أحد المعبودات المصرية القديمة المصورة في مواجهته. ويعلو المشهد خرطوش ملكي بيضاوي واضح المعالم يتضمن الاسم الرسمي للملك وألقابه الملكية، تحيط به كتابات هيروغليفية عمودية تشرح مضمون المنظر والشخصيات الممثلة فيه.
أما السجل السفلي، فيشغل الجزء الأكبر من مساحة اللوحة، ويتكون من عدة أسطر أفقية متراصة من النصوص الهيروغليفية الغائرة المنفذة بدقة وإتقان، والتي يبدو أنها تسجل صيغة تذكارية أو مرسوماً ملكياً يرتبط بالموقع أو بالمعبود المكرس له النصب. وعلى الرغم من تعرض أجزاء محدودة من سطح الحجر لبعض مظاهر التآكل والتقشر الطبيعي الناتج عن عوامل الرطوبة والتعرية، فإن غالبية العلامات الهيروغليفية ما زالت محتفظة بوضوحها، بما يمنح اللوحة قيمة تاريخية وفنية استثنائية بوصفها واحدة من أقدم الشواهد المؤكدة على الوجود الملكي المباشر في الواحات البحرية خلال عصر الأسرة الثامنة عشرة.





