19 مترًا من أسرار الخلود، حكاية أطول بردية جنائزية تزين المتحف المصري
في الطابق العلوي من المتحف المصري بالقاهرة، تمتد واحدة من أندر الوثائق الدينية والفنية التي خلفتها الحضارة المصرية القديمة، وهي بردية يويا وتويا، التي تعد نموذج استثنائي لما وصل إليه المصري القديم من براعة في الكتابة والتصوير وصياغة النصوص العقائدية.
ولا تستمد هذه البردية أهميتها من قدمها فحسب، بل من حالتها المادية الممتازة وطولها الاستثنائي الذي يبلغ نحو 19.37 مترًا، ما يجعلها من أطول وأكمل النسخ المعروفة من “كتاب الخروج بالنهار”، ذلك المؤلف الجنائزي الذي ارتبط ارتباط وثيق بفكرة البعث والخلود.
يويا وتويا ينتميان لعائلات نفوذ في البلاط الملكي خلال عهد الملك أمنحتب الثالث
وقد عثر على البردية داخل مقبرة يويا وتويا بجبانة طيبة، ضمن مجموعة من القطع الأثرية الفريدة التي نجت من عوامل الزمن، لتصبح اليوم شاهد حي على جانب بالغ الأهمية من الفكر الديني المصري خلال عصر الأسرة الثامنة عشرة.
وينتمي صاحبا البردية، يويا وتويا، إلى إحدى أكثر العائلات نفوذ في البلاط الملكي خلال عهد الملك أمنحتب الثالث، إذ كانت ابنتهما الملكة تي الزوجة الرئيسية للملك، كما كانا جدّي الملك إخناتون.
وقد كشفت مقبرتهما، التي اكتُشفت عام 1905، عن كنز أثري متكامل ضم توابيت مذهبة واثاث جنائزي ومومياوات محفوظة بصورة مدهشة، إضافة إلى هذه البردية التي تمثل خلاصة معتقدات المصريين القدماء حول رحلة الإنسان بعد الموت.
اول ظهور لكتاب الموتى
ويرجح أن اختيار نصوصها تم بعناية خاصة لتلائم احتياجات المتوفى في العالم الآخر، وهو ما يعكس الإيمان العميق بأن الموت لم يكن نهاية للحياة، بل بداية لمرحلة جديدة تتطلب الاستعداد والتسلح بالمعرفة المقدسة.
ويعرف هذا العمل الديني اليوم باسم "كتاب الموتى"، إلا أن المصريين القدماء أطلقوا عليه تسمية أكثر شاعرية وعمق هي “كتاب الخروج بالنهار”، في إشارة إلى قدرة الروح على مغادرة ظلمات العالم السفلي والانبعاث مجددًا في عالم النور.
190 فصلًا من التعاويذ والأدعية والنصوص السحرية
وتضم بردية يويا وتويا مختارات من نحو 190 فصلًا من التعاويذ والأدعية والنصوص السحرية التي كان يُعتقد أنها تمنح المتوفى القدرة على عبور البوابات الإلهية، والتغلب على الكائنات المخيفة التي تعترض طريقه، والمثول أمام محكمة أوزيريس بثقة واستحقاق.
وقد كتبت هذه النصوص بالخط الهيروغليفي المتصل، الذي يمثل مرحلة متطورة من الكتابة المصرية القديمة، وتميز بسهولة نسبية في التدوين والقراءة مقارنة بالهيروغليفية التقليدية.
ولا تقل القيمة الفنية للبردية عن قيمتها الدينية، إذ تتخلل نصوصها رسوم ملونة شديدة الدقة والجمال، تعكس مستوى رفيعًا من الإبداع الذي بلغه فنانو الدولة الحديثة.
يويا وتويا في المتحف المصري بالقاهرة على امتداد القاعات من 20 إلى 25
وتصور هذه المناظر مراحل متعددة من الطقوس الجنائزية، بدء من نقل الجثمان في موكب احتفالي، مرور بتقديم القرابين وتلاوة الأدعية، وصول إلى مشاهد التعبد أمام الإله أوزيريس، سيد العالم الآخر، الذي كان يمثل رمز العدالة والحياة المتجددة.
كما تكشف الرسوم عن تفاصيل الملابس والحلي والأدوات المستخدمة في الشعائر، الأمر الذي يمنح الباحثين مادة ثرية لدراسة الحياة الدينية والفنية في مصر القديمة.
واليوم، تعرض بردية يويا وتويا في المتحف المصري بالقاهرة على امتداد القاعات من 20 إلى 25، إلى جانب مقتنيات المقبرة الأخرى، لتوفر للزائر تجربة استثنائية تجمع بين النص والصورة والأثر في سياق واحد متكامل.
وبعد مرور أكثر من ثلاثة آلاف عام على كتابتها، ما تزال هذه البردية تحتفظ بقدرتها على إثارة الدهشة، ليس فقط بوصفها وثيقة جنائزية، بل باعتبارها سجل إنساني فريد يعكس شغف المصري القديم بفهم مصيره الأبدي، وسعيه الدائم إلى ضمان حياة جديدة لا تعرف الفناء، مؤمن بأن المعرفة والطقوس الصحيحة يمكن أن تفتح أبواب الخلود وتمنح الروح فرصة العبور الآمن إلى الأبدية.





