رئيس مجلس الإدارة
عمرو عامر
رئيس مجلس الإدارة
عمرو عامر

فرنسا تلغي قانون العبودية الأسود بعد قرون من الجدل..ونقاشات حادة حول الإرث

قانون العبودية
قانون العبودية

في خطوة وُصفت بأنها تاريخية ورمزية، صوّت البرلمان الفرنسي لصالح إلغاء “قانون العبودية الأسود” المعروف بـ“كود نوار”، وهو التشريع الذي يعود إلى عام 1685، والذي نظّم العبودية في المستعمرات الفرنسية وحوّل البشر إلى ممتلكات قابلة للبيع والوراثة والاستغلال، في واحد من أكثر القوانين إثارة للجدل في التاريخ الحديث.

قانون عمره أكثر من 300 عام يطوى رسميًا

القانون الذي وقّعه الملك لويس الرابع عشر في قصر فرساي، كان يضع إطارًا قانونيًا شاملًا للعبودية داخل الإمبراطورية الاستعمارية الفرنسية، حيث نص على اعتبار المستعبدين “ممتلكات منقولة”، تُعامل كالبضائع ويمكن بيعها وشراؤها وتوريثها.

ورغم إلغاء العبودية رسميًا في فرنسا عام 1848، ظل القانون نفسه قائمًا من الناحية الشكلية، ما أثار جدلًا واسعًا داخل الأوساط السياسية والحقوقية الفرنسية حول استمرار وجود نصوص تشريعية تعكس مرحلة استعمارية مظلمة.

بنود قانونية صادمة تعكس قسوة الحقبة الاستعمارية

تضمنت مواد “كود نوار” بنودًا وصفت بأنها من بين الأشد قسوة في التاريخ الحديث، إذ فرضت عقوبات صارمة على العبيد، شملت التعذيب البدني مثل قطع الأذن والوسم بالنار في حالات الهروب، وصولًا إلى الإعدام في حال تكرار المحاولة.

كما نصت مواد أخرى على توريث العبودية عبر الأجيال، بحيث يُستعبد الطفل تلقائيًا إذا كانت والدته مستعبدة، بغض النظر عن وضع الأب، إضافة إلى حرمان العبيد من امتلاك أي ممتلكات أو حقوق قانونية مستقلة.

تجارة رقيق واسعة عبر الأطلسي

بحسب معطيات تاريخية، نقلت فرنسا نحو 1.4 مليون أفريقي قسرًا عبر المحيط الأطلسي خلال فترة الاستعمار، في واحدة من أكبر عمليات تجارة الرقيق في العالم، حيث جرى استخدامهم في مزارع قصب السكر والبن والقطن داخل المستعمرات.

وكانت ظروف العمل قاسية للغاية، لدرجة أن معدلات الوفيات كانت تفوق معدلات المواليد، ما أدى إلى استبدال العمال باستمرار عبر سفن جديدة من العبيد.

جدل سياسي حول الإلغاء المتأخر

جاء التصويت على إلغاء القانون بعد نقاشات حادة داخل الجمعية الوطنية الفرنسية، حيث اعتبر نواب أن استمرار وجود هذا التشريع يمثل “استثناءً استعمارياً” لا يتماشى مع مبادئ الجمهورية الفرنسية القائمة على الحرية والمساواة والإخاء.

وأكد بعض النواب أن الإلغاء لا يقتصر على الجانب القانوني فقط، بل يفتح الباب أمام مراجعة أوسع للإرث الاستعماري الفرنسي، بما في ذلك ما يتعلق بالعنصرية والتمييز في الأقاليم ما وراء البحار.

أقاليم ما وراء البحار في قلب النقاش

أثار القانون القديم نقاشًا واسعًا حول أوضاع الأقاليم الفرنسية ما وراء البحار، مثل غوادلوب ومارتينيك وريونيون، حيث يعيش نحو 1.9 مليون شخص، معظمهم من أحفاد المستعبدين.

ورغم اندماج هذه المناطق في الدولة الفرنسية الحديثة، إلا أنها لا تزال تعاني من تفاوت اقتصادي واضح مقارنة بفرنسا القارية، وهو ما أعاد النقاش حول آثار العبودية طويلة المدى.

دعوات لمراجعة التاريخ الاستعماري

يرى مؤرخون ونواب أن إلغاء “كود نوار” يمثل خطوة رمزية مهمة، لكنه لا يكفي لمعالجة آثار العبودية الممتدة عبر القرون، مطالبين بإجراء مراجعات أوسع للتاريخ الاستعماري الفرنسي، بما في ذلك قضايا التعويضات والعدالة التاريخية.

كما أشار بعض البرلمانيين إلى أن فرنسا سبق أن دفعت تعويضات لمالكي العبيد بعد إلغاء العبودية، دون تعويض الضحايا أنفسهم أو أحفادهم، ما يضيف طبقة جديدة من الجدل حول العدالة التاريخية.

خطوة رمزية وإرث ثقيل

ورغم مرور أكثر من قرنين على إلغاء العبودية، يبقى التصويت على إلغاء “القانون الأسود” خطوة ذات طابع رمزي قوي، تعكس رغبة فرنسا في طي صفحة قانونية من تاريخها الاستعماري، لكنها في الوقت نفسه تفتح بابًا واسعًا للنقاش حول الإرث التاريخي للعبودية وتأثيره المستمر حتى اليوم.

تم نسخ الرابط