رئيس مجلس الإدارة
عمرو عامر
رئيس مجلس الإدارة
عمرو عامر

كيف تخيل الفراعنة نشأة الكون؟ رحلة في أسرار خلق الكون عند المصري القديم

نظريات خلق الكون
نظريات خلق الكون عند المصري القديم

 

لم يكن المصري القديم مجرد مزارع يرعى أرضه على ضفاف النيل، بل كان فيلسوفًا ومثقفًا بامتياز، تشغله الأسئلة الكبرى حول الوجود وكيف بدأ هذا العالم.

 ومن قلب المعابد والمقابر القديمة، ترك لنا الأجداد إرثًا غزيرًا من النصوص الدينية والفلسفية التي تفسر نظرية الخلق بنظرة تدمج بين التناغم الكوني وظواهر الطبيعة المحيطة بهم.

المظلة المشتركة: من أين بدأت الحياة؟

قبل الغوص في المذاهب المختلفة، اتفقت العقلية المصرية القديمة على نقطة انطلاق موحدة لنشأة الكون، وهي وجود محيط مائي أزلي مظلم ولا نهائي يُدعى "نون".

 لم يكن هذا المحيط عدمًا، بل كان يحمل في طياته بذور الحياة الكامنة والمادة الخام لكل ما سيُخلق لاحقًا.

ومن هذا المحيط، بزغت أول تلة من اليابسة تُعرف بـ "التل الأزلي" أو "بن بن"، لتشهد ولادة النور وبداية النظام الكوني "ماعت"، داحرةً الفوضى والظلام.

نظرية عين شمس (هليوبوليس):

 نشأة الكون بالوعي والإيجاد الذاتي،يعد هذا المذهب من أقدم وأشهر التفسيرات الفلسفية، ويرتكز على فكرة الإله "أتوم"، إله الشمس والكمال.

ووفقًا لهذه الرؤية، خلق "أتوم" نفسه بنفسه فوق التل الأزلي بالوعي والإرادة، ومن خلال طاقته الذاتية، أوجد أول زوجين كونيين: "شو"، إله الهواء والندى، و"تفنوت"، إلهة الرطوبة والحرارة.ومن هذا الثنائي، وُلدت الأرض "جب" والسماء "نوت"، لتبدأ بعد ذلك سلسلة الخليقة ويتحقق توازن الطبيعة.

نظرية الأشمونين (هرموبوليس): 

قوى الطبيعة الثمانية والمحيط الأزلي، ففي مصر الوسطى، صاغ الكهنة رؤية شديدة العمق تعتمد على التوازن العددي، وتتحدث عن "الثامون المقدس"، وهو أربعة آلهة وزوجاتهم، يمثلون عناصر محيط "نون" قبل الخلق.

وجسدت هذه القوى عناصر الظلمة، واللانهائية، والخفاء، والمياه الأزلية. ومن خلال تفاعل هذه الطاقات الثمانية، تولدت قوة هائلة أدت إلى بزوغ البيضة الكونية أو زهرة اللوتس، التي انشق عنها إله الشمس الشاب، ناشرًا الضوء ومطلقًا شرارة الحياة في الكون.

نظرية الخلق في منف: صياغة الكون بالكلمة والفكر الفلسفي

يقدم مذهب مدينة منف واحدة من أرقى النظريات الفلسفية في التاريخ الإنساني، إذ يبتعد عن التجسيد المادي ويعتمد على الفكر الخالص.في هذة النظرية، يتربع الإله "بتاح"، إله الحرفيين والفنون، بوصفه الخالق الأول.

 وترى النظرية أن "بتاح" خلق الكون بـ "القلب واللسان"؛ حيث يعبر القلب عن الفكر والتصور الإلهي، بينما يمثل اللسان الكلمة والأمر الإلهي. فكل ما تصوره القلب ونطق به اللسان، تحول فورًا إلى حقيقة ملموسة في الوجود.

نظرية الخلق في طيبة (الأقصر): 

دمج اللاهوت والإله الخفي والظاهر،مع صعود مدينة "طيبة" عاصمةً سياسية ودينية، عمل الكهنة على دمج النظريات السابقة لتعظيم الإله "أمون"، الذي يعني اسمه "الخفي"

.وصيغ هذا الفكر ليؤكد أن "أمون" هو الطاقة الخفية التي حركت المذاهب الأخرى؛ فهو "بتاح" في فكره، و"أتوم" في ظهوره الشمسي باعتباره "أمون رع".

 وتمثل هذة النظرية قمة التطور اللاهوتي، إذ اعتبر الخالق متواصلًا مع خلقه، حاضرًا في كل مكان، ومحيطًا بالكون بصفته الروح المحركة لكل شيء.

ختاما

لم تكن هذه المذاهب متصارعة في عقل المصري القديم، بل كانت وجوهًا متعددة لفكرة واحدة. 

فقد نظر الأجداد إلى الكون باعتباره منظومة حية ومتناغمة تقوم على التوازن والعدالة، وظلت تلك الأساطير تعكس عبقرية حضارة ربطت الأرض بالسماء، وصنعت من طمي النيل فلسفة خلدها التاريخ.

تم نسخ الرابط