رئيس مجلس الإدارة
عمرو عامر
رئيس مجلس الإدارة
عمرو عامر

ليست للعبادة فقط، لماذا حنط المصري القديم القطط والتماسيح والصقور؟

قطط محنطة
قطط محنطة

قد يبدو الأمر غريبًا للوهلة الأولى؛ فداخل مقابر ومعابد مصر القديمة لم يعثر علماء الآثار على مومياوات بشرية فقط، بل اكتشفوا أيضًا ملايين الحيوانات المحنطة، من القطط والصقور والتماسيح إلى الكلاب والقرود وحتى الأسماك والخنافس.

 وبينما اعتقد كثيرون أن المصريين القدماء كانوا يحنطون هذه الحيوانات بدافع تقديسها، تكشف الدراسات الأثرية أن الحقيقة أكثر تعقيدًا، وترتبط بالعقيدة والاقتصاد والحياة اليومية معًا.

فلماذا أنفق المصري القديم وقتًا وجهدًا كبيرين في تحنيط الحيوانات؟ وما الأسرار التي كشفتها هذه المومياوات؟

التحنيط.. عقيدة تتجاوز الإنسان

آمن المصري القديم بأن الموت ليس نهاية الحياة، بل بداية رحلة جديدة في العالم الآخر، ولذلك لم يقتصر التحنيط على البشر، بل شمل الحيوانات التي ارتبطت بالآلهة أو لعبت دورًا مهمًا في حياة الإنسان.

وكانت بعض الحيوانات تُحنط لترافق أصحابها في رحلتهم الأبدية، بينما خُصصت أخرى قرابين تقدم للآلهة طلبًا للحماية أو الشفاء أو الرزق.

القطط.. رمز الحماية والأمومة

تعد القطة أشهر الحيوانات المحنطة في مصر القديمة، إذ ارتبطت بالإلهة باستت، التي جسدت الحماية والحنان والأمومة.

وعثر علماء الآثار على ملايين القطط المحنطة، بعضها دُفن في جبانات خاصة، بينما قُدمت أخرى نذورًا داخل المعابد.

 وتشير الاكتشافات إلى أن القطط كانت تحظى بمكانة كبيرة داخل البيوت المصرية، حيث ساعدت في حماية مخازن الغلال من الفئران والثعابين.

الصقور.. رسل السماء

أما الصقور فارتبطت بالإله حورس، رمز الملكية والقوة والانتصار.وكان المصري القديم يرى في الصقر تجسيدًا للقوة والقدرة على التحليق بين السماء والأرض، لذلك حُنطت أعداد كبيرة منها وقدمت قرابين في المعابد، بينما دُفن بعضها داخل مقابر الكهنة والملوك.

التماسيح.. من مصدر للخوف إلى رمز للقوة

رغم خطورتها، حظيت التماسيح بمكانة دينية مهمة، إذ ارتبطت بالإله سوبك، إله القوة والخصوبة ومياه النيل.

وكشفت الحفائر في مناطق مثل الفيوم وكوم أمبو عن مقابر تضم مئات التماسيح المحنطة، بعضها محفوظ بحالة جيدة، ما يعكس الاحترام الذي حظي به هذا الحيوان في بعض أقاليم مصر القديمة.

حيوانات أخرى حملت رسائل مختلفة

لم تتوقف عمليات التحنيط عند القطط والصقور والتماسيح، بل شملت أيضًا الكلاب المرتبطة بالإله أنوبيس، والثيران المقدسة مثل العجل أبيس، إلى جانب قرود وأفاعٍ وأسماك وأبو منجل، بل وحتى الجعارين، وكل منها ارتبط بمعتقد أو رمز ديني معين.

ماذا كشفت التكنولوجيا الحديثة؟

ساهمت الأشعة المقطعية والتصوير ثلاثي الأبعاد في دراسة مومياوات الحيوانات دون فتحها، وكشفت أن بعضها يحتوي على هياكل عظمية كاملة، بينما تضم مومياوات أخرى أجزاءً من الحيوان أو حتى لفائف فارغة، وهو ما يشير إلى تنوع طرق إعداد القرابين وتطور صناعة التحنيط عبر العصور.

كما أوضحت الدراسات أن المصريين القدماء أنشأوا مزارع لتربية بعض الحيوانات المخصصة للقرابين، وهو ما يكشف عن نشاط اقتصادي منظم ارتبط بالمعابد والطقوس الدينية.

أكثر من مجرد مومياوات

تكشف الحيوانات المحنطة أن المصري القديم لم يكن ينظر إلى الحيوان باعتباره كائنًا عاديًا، بل اعتبره جزءًا من نظام كوني يربط الإنسان بالطبيعة والآلهة.

ولهذا، لم يكن تحنيط القطط أو التماسيح أو الصقور طقسًا غريبًا، بل كان تعبيرًا عن عقيدة راسخة ترى أن لكل كائن دورًا في دورة الحياة والخلود. وبعد آلاف السنين، لا تزال هذه المومياوات تمنح علماء الآثار مفاتيح جديدة لفهم واحدة من أكثر الحضارات إبهارًا وغموضًا في تاريخ العالم

تم نسخ الرابط