سردية أون البعث الثاني، كيف أعادت رمال المطرية صياغة تاريخ مدينة الشمس
لم تكن المطرية (عين شمس الحالية) مجرد ضاحية عابرة في جغرافيا العاصمة المصرية، بل كانت يومًا ما "هليوبوليس" أو "أون القديمة"؛ قلب العالم الديني النابض ومبتدأ فكرة التكوين في العقيدة المصرية القديمة.
واليوم، تعود هذه المدينة لتتصدر المشهد المعرفي العالمي بكشف أثري جديد يُزيح الستار عن أسرار عقائدية وجنائزية بقيت طي الكتمان لآلاف السنين، حيث تعد المكتشفات الأخيرة لا تضيف قطعًا جديدة إلى المتاحف فحسب، بل "تعيد كتابة تاريخ الجبانة بالكامل".في قلب مقبرة "بانحسي".. أسرار الخبيئة الجنائزية

نجحت البعثة الأثرية المصرية التابعة للمجلس الأعلى للآثار في النفاذ إلى عمق المقبرة الشهيرة "بانحسي"، لتعثر على ما يشبه كبسولة زمنية متكاملة، ضمت مجموعة من الاكتشافات الاستثنائية، أبرزها دفنة مشيدة من الطوب اللبن تضم بقايا عظام آدمية، صمدت أمام الزمن لتقدم للباحثين معلومات مهمة عن سكان المدينة من الناحية الأنثروبولوجية.
ولم تكن المقبرة مجرد مكان للدفن، بل مثلت بوابة رمزية لعقيدة الخلود، حيث عُثر على خبيئة فريدة ضمت مرآة نحاسية، ومكحلتين من حجر الألباستر لا تزالان تحتفظان ببقايا الكحل الأصلي وأغطيتهما المحكمة، إلى جانب أقراط معدنية نادرة يُرجح أنها صيغت من الذهب، بما يعكس المستوى الاجتماعي الرفيع لأصحابها.

تمائم الروح والعقيق الوردي
امتدت الاكتشافات لتشمل تمائم بالغة الدقة والتنوع الرمزي، أبرزها تميمة على شكل بطة، وأخرى تجسد تاج "الأتف" المقدس،بالإضافة إلى أربعة أحجار كريمة، من بينها حجران من العقيق، أحدهما يتألق بلون وردي مميز ومحاط بإطار معدني أصفر، في دلالة واضحة على المكانة الرفيعة لصاحب هذه المقتنيات وثراء الطقوس الجنائزية في تلك الفترة.

طبقات التاريخ.. من رفات العسكريين إلى عملات الرومان
ويمثل هذا الموسم الأثري حلقة وصل متكاملة، إذ يندمج الكشف الحالي مع سلسلة من الاكتشافات السابقة بالموقع ذاته، لترسم جميعها لوحة زمنية متعاقبة تكشف تطور المنطقة عبر عصور مختلفة.

وشملت الاكتشافات بقايا منشآت جنائزية مشيدة من الطوب اللبن والحجر الجيري، إلى جانب كتل من الحجر الجيري تحمل نقوشًا وكتابات هيروغليفية، تمثل مصدرًا مهمًا لفهم التسلسل الزمني للموقع وتطور استخدامه عبر العصور.
كما عثر الأثريون على تابوتين متراكمين؛ أحدهما مصنوع من الفخار، والآخر من الجص المذهب المزخرف بنقوش حمراء، ويضم رفاتًا مذهبة يُعتقد أنها تعود إلى شخصية عسكرية بارزة، في اكتشاف يعكس المكانة الاجتماعية والمعتقدات الجنائزية في تلك الحقبة.

ولم تتوقف المفاجآت عند هذا الحد، إذ كشفت الحفائر أيضًا عن عملة معدنية أثرية تعود إلى العصر الروماني، لتؤكد أن الموقع ظل مستخدمًا على مدار فترات تاريخية متعاقبة، وشهد تحولات حضارية امتدت من العصر المصري القديم وصولًا إلى الحقبة الرومانية، وهو ما يمنح الباحثين رؤية أكثر اكتمالًا لتاريخ مدينة "أون" العريقة.





