رئيس مجلس الإدارة
عمرو عامر
رئيس مجلس الإدارة
عمرو عامر

رسائل الموتى..ماذا تكشف بطاقات المومياوات عن الممارسات الجنائزية في الإسكندرية

المتحف اليوناني الروماني
المتحف اليوناني الروماني بالإسكندرية

افتتح المتحف اليوناني الروماني بالإسكندرية معرضه الأثري المؤقت «الإسكندرية… هوية وثقافة عبر الزمن»، الذي يضم 21 قطعة أثرية تُعرض للجمهور لأول مرة، من بينها بطاقات مومياوات تحمل كتابات باللغة اليونانية، لتكشف جانبًا من الممارسات الجنائزية وتفاصيل الحياة في الإسكندرية خلال العصرين اليوناني والروماني.

ويأتي المعرض، الذي يُعد الأول من نوعه منذ إعادة افتتاح المتحف، ليقدم قراءة مختلفة لتاريخ المدينة من خلال مقتنيات كانت محفوظة داخل المخازن، حيث تكشف القطع المعروضة كيف وثّقت الكتابات القديمة هوية الأشخاص وعادات المجتمع وممارساته المرتبطة بالموت والدفن، وتلقي الضوء على طبيعة الإسكندرية كمدينة تلاقت فيها الثقافات والحضارات..

وتأتي بطاقات المومياوات ضمن 21 قطعة أثرية يعرضها المتحف اليوناني الروماني بالإسكندرية لأول مرة من مقتنياته المحفوظة بالمخازن، في معرض يمثل أول معرض أثري مؤقت للمتحف منذ إعادة افتتاحه.

بطاقة صغيرة تحمل معلومات عن صاحبها

 

كانت بطاقات المومياوات جزءًا من السياق الجنائزي في مصر خلال الفترات التي تأثرت فيها البلاد بالحضارتين اليونانية والرومانية، وكانت تُستخدم في ارتباطها بالدفن والمومياء، وتحمل كتابات تساعد على التعريف بالمتوفى.

وتكتسب هذه البطاقات أهمية خاصة لأنها لا تقدم مجرد نصوص قديمة، وإنما تمثل وثائق مادية تكشف كيف تداخلت التقاليد المصرية مع اللغة والثقافة اليونانية التي أصبحت حاضرة بقوة في الإسكندرية.

ومن خلال قراءة هذه الكتابات، يستطيع الباحثون الاقتراب من تفاصيل تتعلق بهوية الأشخاص والممارسات المرتبطة بتكريم الموتى، بما يضيف بعدًا اجتماعيًا إلى دراسة الآثار الجنائزية.

عندما أصبحت اللغة جزءًا من طقوس الموت

وجود نصوص يونانية على بطاقات المومياوات يعكس جانبًا من طبيعة المجتمع السكندري، الذي نشأ على التفاعل بين ثقافات متعددة.

فالإسكندرية لم تكن مدينة مصرية منعزلة عن محيطها، بل كانت مركزًا تجاريًا وثقافيًا واسع التأثير، التقت فيه عناصر مصرية ويونانية ورومانية، وظهر هذا التداخل في الحياة اليومية، كما ظهر في عالم الموت والدفن.

وهنا تصبح البطاقة الجنائزية شاهدًا على مجتمع متعدد الثقافات، استخدم الكتابة لتسجيل هوية أفراده والحفاظ على صلتهم بذاكرة ذويهم.

ماذا تخبرنا عن الممارسات الجنائزية؟

تكشف القطع الجنائزية، إلى جانب بطاقات المومياوات، أن التعامل مع الموتى كان يرتبط بمجموعة من الممارسات والطقوس التي حافظت على مكانة المتوفى وذكراه.

وعندما توضع الكتابات بجوار بقية مقتنيات المعرض، مثل الأواني الفخارية والعملات والمسارج والأوستراكا والبرديات، فإنها تتيح قراءة أوسع للمجتمع السكندري، ليس فقط من خلال قصور الحكام أو المباني الضخمة، وإنما من خلال تفاصيل حياة الأشخاص العاديين.

وهذه النقطة تحديدًا تمنح بطاقات المومياوات قيمتها؛ فهي تقربنا من الإنسان الذي عاش ومات في المدينة، بدلًا من الاكتفاء بقراءة تاريخ الإسكندرية من خلال الأحداث الكبرى والشخصيات المعروفة.

الإسكندرية.. مدينة تتحدث بأكثر من لغة

ويحمل اختيار هذه القطع للعرض دلالة أخرى ترتبط بعنوان المعرض نفسه «الإسكندرية… هوية وثقافة عبر الزمن»، إذ تسلط المجموعة الضوء على قدرة النقوش والكتابات القديمة على توثيق مظاهر الحياة المختلفة.

فاللغة هنا ليست مجرد وسيلة للكتابة، وإنما مفتاح لفهم المجتمع، وعلاقاته، وممارساته، وطريقة تعامله مع الموت والذاكرة.

وتكتسب هذه الزاوية أهمية أكبر مع الاحتفال باليوم العالمي للترجمة، إذ يلفت المعرض الانتباه إلى الدور الذي تلعبه معرفة اللغات القديمة وترجمة نصوصها في إعادة بناء صفحات من التاريخ المصري.

من المخازن إلى الجمهور

ولا تتوقف أهمية المعرض عند موضوعه، فاختيار قطع محفوظة في مخازن المتحف وعرضها أمام الجمهور للمرة الأولى يفتح الباب أمام إعادة اكتشاف مجموعات أثرية لم تكن حاضرة بصورة مستمرة في تجربة الزائر.

ويضم المعرض 21 قطعة متنوعة، بينها عملات ومسارج وأوانٍ فخارية وآثار مغمورة بالمياه من خليج أبي قير، إلى جانب البرديات والأوستراكا وبطاقات المومياوات ذات النصوص اليونانية.

وبذلك لا تقدم بطاقات المومياوات قصة منفصلة، وإنما تأتي ضمن لوحة أكبر تحاول إعادة رسم ملامح الإسكندرية القديمة من خلال أشياء ارتبطت بالحياة اليومية والتجارة والمعتقدات والطقوس الجنائزية.

«رسائل الموتى».. ذاكرة بقيت أكثر من ألفي عام

وربما تكمن المفارقة الأبرز في أن هذه البطاقات الصغيرة التي ارتبطت بأشخاص رحلوا منذ قرون طويلة، ما زالت قادرة على تقديم معلومات عن أصحابها والمجتمع الذي عاشوا فيه.

فما بقي من الإسكندرية القديمة ليس فقط أعمدة ومعابد وتماثيل، وإنما أيضًا نصوص وأشياء بسيطة ارتبطت بحياة البشر اليومية وبنهاية رحلتهم.

ومن هنا يتحول معرض «الإسكندرية… هوية وثقافة عبر الزمن» إلى فرصة لقراءة تاريخ المدينة من زاوية مختلفة؛ زاوية الإنسان الذي عاش فيها، ومارس تجارته وطقوسه، وترك وراءه كلمات قليلة على بطاقة مومياء لتصبح بعد قرون طويلة جزءًا من ذاكرة مدينة لا تزال تروي حكاياتها.

تم نسخ الرابط