رئيس مجلس الإدارة
عمرو عامر
رئيس مجلس الإدارة
عمرو عامر

سيوة أم الإسكندرية؟.. مدينتان تتنافسان على سر مقبرة الإسكندر الأكبر

سر مقبرة الإسكندر
سر مقبرة الإسكندر

منذ أكثر من ألفي عام، لا تزال مقبرة الإسكندر الأكبر واحدة من أكبر الألغاز الأثرية التي عجز الباحثون عن حسمها. فالرجل الذي أسس مدينة الإسكندرية وامتدت إمبراطوريته من اليونان إلى حدود الهند، ترك وراءه إرثًا سياسيًا وعسكريًا هائلًا، لكن مكان مثواه الأخير اختفى من خريطة التاريخ.

ومع عودة الحديث مؤخرًا عن إمكانية ارتباط مقبرته بواحة سيوة، يتجدد السؤال القديم: هل يمكن أن تكون المقبرة التي يبحث عنها العالم منذ قرون في قلب الصحراء الغربية، أم أن الإسكندرية لا تزال المكان الأكثر ترجيحًا؟

الإجابة الأثرية تميل حتى الآن إلى الإسكندرية، لكن غياب الكشف الأثري الحاسم يجعل باب الاحتمالات مفتوحًا أمام مزيد من البحث.

من بابل إلى مصر.. رحلة الجثمان الملكي

توفي الإسكندر الأكبر عام 323 قبل الميلاد في مدينة بابل، وهو في الثالثة والثلاثين من عمره، لتنتهي حياة أحد أشهر القادة العسكريين في التاريخ.وبعد وفاته، بقي جثمانه في بابل فترة من الزمن، بينما جرى الإعداد لنقله في موكب ملكي ضخم يليق بمكانته. وتشير الروايات التاريخية إلى أن الجثمان اتجه في النهاية إلى مصر، حيث أصبحت رحلة الدفن جزءًا من الصراع السياسي على إرث الإسكندر بين خلفائه.

وكانت مصر في ذلك الوقت تمثل أهمية كبيرة بالنسبة للقوى المتنافسة على الإمبراطورية المقدونية، وهو ما جعل مكان دفن الإسكندر قضية تتجاوز الجانب الديني أو الجنائزي لتصبح أيضًا رمزًا للشرعية السياسية.

محطة أولى في منف.. ثم إلى الإسكندرية

Temple of Amun At Siwa Oasis | Built By The Pharaoh Amasis II

تشير الروايات التاريخية إلى أن الجثمان وصل أولًا إلى منطقة منف، حيث جرت له مراسم دفن أولية، قبل أن يتم نقل الجثمان لاحقًا إلى الإسكندرية.ومع اكتمال بناء المقبرة الملكية في المدينة، أصبح مثوى الإسكندر جزءًا من منطقة جنائزية ملكية عرفت باسم «السوما»، وهي المنطقة التي ارتبط اسمها لاحقًا بأهم شخصية أسست المدينة.

وهنا تظهر واحدة من أهم حلقات اللغز؛ فالمصادر القديمة لا تكتفي بالإشارة إلى وجود المقبرة في الإسكندرية، وإنما تتحدث عن زيارات لشخصيات سياسية وإمبراطورية بارزة إليها.

الإسكندرية.. آثار تاريخية تشير إلى المقبرة

تكتسب فرضية وجود المقبرة في الإسكندرية قوتها من سلسلة من الروايات القديمة التي تحدثت عن زيارة المقبرة ومشاهدة جثمان الإسكندر.وتشير المصادر التاريخية إلى أن يوليوس قيصر زار المقبرة خلال وجوده في الإسكندرية، كما زارها الإمبراطور أغسطس لاحقًا، في روايات تصف طقوسًا واحتفاءً خاصًا بذكرى القائد المقدوني.

كما تذكر الروايات زيارة الإمبراطور كاراكلا للمقبرة في القرن الثالث الميلادي، وهو ما يقدم دليلًا مهمًا على أن المقبرة كانت لا تزال معروفة وموجودة في الإسكندرية خلال تلك الفترة.

لكن بعد ذلك تبدأ المعلومات في التراجع تدريجيًا، حتى تختفي الإشارات الواضحة إلى المقبرة، لتتحول من مكان معروف للزائرين والملوك إلى لغز أثري مفتوح حتى اليوم.

كيف اختفت مقبرة كانت معروفة؟

السؤال الأكثر إثارة ليس فقط: أين توجد المقبرة؟ وإنما: كيف اختفت رغم أن موقعها كان معروفًا لقرون؟

شهدت الإسكندرية عبر تاريخها تحولات ضخمة، من صراعات دينية وسياسية إلى زلازل وتغيرات عمرانية وطبيعية، وهي عوامل يمكن أن تكون أسهمت في طمس أجزاء من المدينة القديمة أو تغيير معالمها.

كما أن التوسع العمراني المتواصل فوق الإسكندرية القديمة جعل البحث عن منشأة أثرية ضخمة مثل مقبرة الإسكندر مهمة بالغة التعقيد.

ولهذا فإن العثور على المقبرة لا يتطلب مجرد البحث عن مبنى محفوظ تحت الرمال، وإنما يستلزم إعادة قراءة خريطة الإسكندرية القديمة ومقارنتها بما بقي من طبقات المدينة الأثرية.

لكن لماذا عادت سيوة إلى المشهد؟

Ruins of Kom el Dikka in Alexandria, Egypt | Egypt, Ancient egypt, National geographic expeditions

ارتباط الإسكندر الأكبر بسيوة ليس من فراغ. فالواحة ارتبطت في التاريخ القديم بمعبد آمون، الذي كان الإسكندر حريصًا على زيارته بعد دخوله مصر، وهناك ارتبط اسمه بالطقوس الدينية والنبوءة الشهيرة التي كان لها أثر في صورته السياسية والدينية.

هذه العلاقة التاريخية جعلت البعض يفترض أن سيوة ربما تحمل سرًا آخر يتعلق بنهاية رحلة الإسكندر، وليس فقط بزيارته للمعبد.وخلال العقود الماضية ظهرت بالفعل فرضيات تحدثت عن احتمال وجود مقبرة مرتبطة بالإسكندر في مناطق مختلفة من الواحة، إلا أن هذه الفرضيات لم تتحول إلى كشف أثري مؤكد.

فرضية المراقي.. محاولة لم تصمد أمام الاختبار الأثري

في منتصف التسعينيات ظهرت إحدى أبرز الفرضيات التي ربطت مقبرة الإسكندر بمنطقة المراقي في سيوة، وتحديدًا بالقرب من أحد المواقع ذات الطابع الدائري.وأثارت الفكرة اهتمامًا واسعًا في ذلك الوقت، إلا أن الفحوص والدراسات الأثرية لم تقدم دليلًا قاطعًا يسمح بإعلان اكتشاف مقبرة الإسكندر.

وهنا تظهر نقطة مهمة في التعامل مع الألغاز الأثرية: وجود تشابه معماري أو ارتباط تاريخي لا يكفي وحده لإثبات هوية المقبرة.فأي إعلان عن اكتشاف مقبرة ملكية يحتاج إلى مجموعة من الأدلة المتقاطعة، مثل النقوش، والمواد الجنائزية، والتابوت، والسياق الأثري، والعناصر التي يمكن ربطها بشكل مباشر بصاحب المقبرة.

شارع النبي دانيال.. أين يمكن أن يكون السر؟

إذا كانت الإسكندرية هي الاحتمال الأقوى، فإن السؤال ينتقل إلى داخل المدينة نفسها: أين يمكن أن تكون المقبرة؟وتبرز منطقة شارع النبي دانيال ضمن المناطق التي تستحق مزيدًا من البحث، باعتبارها تقع في قلب النطاق التاريخي للإسكندرية القديمة، وتحتها طبقات عمرانية وأثرية لم تكشف كل أسرارها بعد.

لكن البحث في هذه المنطقة يواجه تحديات ضخمة بسبب الكثافة العمرانية الحديثة، وهو ما يجعل عمليات التنقيب التقليدية محدودة، ويزيد الحاجة إلى تقنيات المسح الجيوفيزيائي والبحث غير المتلف قبل أي أعمال حفر.

تابوت أثار اللبس.. لكنه ليس تابوت الإسكندر

ومن أكثر القصص التي زادت الغموض حول مقبرة الإسكندر قصة تابوت حجري عُثر عليه في الإسكندرية خلال الحملة الفرنسية.فقد ارتبط التابوت في البداية باسم الإسكندر، خاصة بعدما كان مستخدمًا في أحد الأماكن الدينية، لكن الدراسات اللاحقة كشفت أن الربط بينه وبين القائد المقدوني لم يكن قائمًا على دليل أثري حاسم.

وانتقل التابوت لاحقًا إلى بريطانيا، وهو معروض اليوم في المتحف البريطاني، إلا أن وجوده هناك لم يحسم بأي شكل من الأشكال لغز المقبرة الأصلية.وهكذا تحولت قصة التابوت إلى مثال واضح على خطورة إطلاق نسب أثرية اعتمادًا على رواية شعبية أو تفسير غير مدعوم بالأدلة الكافية.

لغز آخر بجوار لغز الإسكندر.. مقبرة كليوباترا

المفارقة أن البحث عن مقبرة الإسكندر ليس اللغز الملكي الوحيد الذي يشغل علماء الآثار في الإسكندرية.فمقبرة كليوباترا السابعة لا تزال هي الأخرى غير مكتشفة بشكل مؤكد، رغم تعدد الفرضيات والبعثات التي بحثت عنها في مواقع مختلفة.ويشير استمرار البحث عن المقبرتين إلى حجم ما لا تزال الإسكندرية القديمة تخفيه تحت شوارعها ومبانيها الحديثة.

لماذا يصعب العثور عليها حتى الآن؟

هناك عدة أسباب تجعل اكتشاف مقبرة الإسكندر مهمة استثنائية الصعوبة:

أولًا: التغيرات الجيولوجية والطبيعية التي تعرضت لها الإسكندرية عبر القرون.

ثانيًا: الزلازل والانهيارات التي غيرت شكل أجزاء واسعة من المدينة القديمة.

ثالثًا: إعادة استخدام مواد البناء القديمة في منشآت لاحقة.

رابعًا: التوسع العمراني فوق المناطق الأثرية.

خامسًا: عدم وجود تحديد جغرافي مؤكد للمقبرة يسمح ببدء عملية تنقيب مباشرة.

ولهذا فإن أي بحث جاد عن المقبرة يحتاج إلى الجمع بين النصوص التاريخية والدراسات الأثرية والتقنيات الحديثة.

هل يمكن أن تكشف التكنولوجيا ما أخفته القرون؟

ربما تكون أدوات البحث الحديثة هي المفتاح الحقيقي للغز.

فالتقنيات الجيوفيزيائية والمسح الأرضي والتصوير ثلاثي الأبعاد وتحليل صور الأقمار الصناعية يمكن أن تساعد في تحديد الفراغات والمنشآت المدفونة دون اللجوء مباشرة إلى الحفر العشوائي.

لكن التكنولوجيا وحدها لا تكفي؛ فكل مؤشر يحتاج إلى قراءة أثرية وتاريخية دقيقة للتأكد من أن البناء المكتشف يرتبط فعلًا بالفترة البطلمية وبالمقبرة الملكية.

سيوة تملك الحكاية.. والإسكندرية تملك الأدلة التاريخية

Explor Full-Day Tour of Historical Alexandria from Cairo in Cairo

تظل سيوة مرتبطة بالإسكندر بقوة بسبب زيارته الشهيرة لمعبد آمون، وهو ما يجعل فرضية وجود مقبرته هناك جذابة ومثيرة للخيال.لكن العلاقة بين الإسكندر وسيوة لا تعني بالضرورة أن الواحة كانت مكان دفنه.في المقابل، تمتلك الإسكندرية سلسلة أقوى من الإشارات التاريخية التي تربطها بمقبرته، إلى جانب حقيقة أن المدينة كانت مركز الحكم البطلمي ومقرًا للملوك الذين خلفوا الإسكندر.

وبالتالي، فإن الفارق بين المنطقتين حاليًا هو أن سيوة تستند بصورة أكبر إلى فرضية تاريخية مرتبطة بزيارة الإسكندر، بينما تستند الإسكندرية إلى روايات تاريخية متعددة عن وجود المقبرة نفسها.

الحسم لن يكون بتصريح.. بل باكتشاف أثري

رغم كثرة النظريات، لا يمكن اعتبار مقبرة الإسكندر مكتشفة قبل ظهور دليل أثري مباشر لا يحتمل التأويل.

وقد يكون هذا الدليل تابوتًا يحمل اسم الإسكندر، أو نقوشًا تحدد هويته، أو مجموعة جنائزية متكاملة، أو سياقًا أثريًا يربط الموقع بشكل قاطع بالملك المقدوني.

وحتى يحدث ذلك، سيظل السؤال مفتوحًا: هل يرقد الإسكندر تحت شوارع الإسكندرية، أم أن الرمال في سيوة تخفي مفاجأة تغير ما نعرفه عن نهاية رحلته؟

المؤكد أن مقبرة الإسكندر الأكبر لا تزال واحدة من أعظم الكنوز المفقودة في العالم القديم، وأن العثور عليها لن يمثل مجرد اكتشاف مقبرة ملكية، بل سيكشف فصلًا جديدًا من تاريخ مصر والبحر المتوسط والعالم الهلنستي.وربما يكون مفتاح اللغز في مكان لم يخطر على بال الباحثين بعد، وربما تكون الإجابة أقرب مما نتصور، تنتظر فقط الدليل الأثري الذي يستطيع أن يحسم قصة عمرها أكثر من ألفي عام.

تم نسخ الرابط