العيد القومي للإسكندرية.. 2331 عامًا من التاريخ والمجد على شواطئ البحر المتوسط
على مدار أكثر من 2331 عامًا، ظلت الإسكندرية واحدة من أكثر المدن تأثيرًا في تاريخ البحر المتوسط، محتفظة بمكانتها كملتقى للحضارات والثقافات، ومركزًا للعلم والتجارة والفنون.
وفي كل عام، تحتفل المدينة بعيدها القومي، لتستعيد صفحات من تاريخها الطويل، وتؤكد قدرتها على الجمع بين عبق الماضي وروح الحاضر، لتظل بحق "عروس البحر المتوسط" وواحدة من أهم المدن المصرية والعالمية.
مدينة ولدت لتصبح عاصمة للعالم القديم
تعود نشأة الإسكندرية إلى عام 331 قبل الميلاد، عندما اختار القائد المقدوني الإسكندر الأكبر موقعها المطل على البحر المتوسط ليؤسس مدينة تحمل اسمه، لتصبح لاحقًا عاصمة لمصر خلال العصر البطلمي، ومركزًا سياسيًا واقتصاديًا وثقافيًا امتد تأثيره إلى مختلف أنحاء العالم القديم.
واستفادت المدينة من موقعها الاستراتيجي بين البحر المتوسط ووادي النيل، لتتحول سريعًا إلى ميناء عالمي يربط بين قارات العالم القديم، ويستقبل السفن التجارية القادمة من الشرق والغرب.
منارة العالم القديم
ارتبط اسم الإسكندرية بواحدة من أشهر عجائب الدنيا السبع، وهي منارة الإسكندرية، التي شُيدت في جزيرة فاروس لتكون دليلًا للسفن القادمة إلى الميناء، وأصبحت رمزًا للتقدم الهندسي في عصرها.
ورغم اختفاء المنارة بفعل الزلازل، فإن مكانها ظل شاهدًا على عظمة المدينة، حيث أُقيمت لاحقًا قلعة قايتباي فوق أنقاضها في القرن الخامس عشر، لتصبح إحدى أبرز المعالم التاريخية التي يقصدها ملايين الزائرين سنويًا.
مكتبة صنعت تاريخ المعرفة
لم تكن الإسكندرية مجرد مدينة تجارية، بل أصبحت أيضًا عاصمة للعلم والثقافة بفضل مكتبة الإسكندرية القديمة، التي ضمت مئات الآلاف من المخطوطات، واستقطبت كبار العلماء والفلاسفة من مختلف أنحاء العالم.
ورغم اندثار المكتبة القديمة، استعادت المدينة دورها الثقافي مع افتتاح مكتبة الإسكندرية الحديثة، التي أصبحت منارة علمية تستضيف المؤتمرات الدولية، وتضم ملايين الكتب، وتواصل رسالة المعرفة التي بدأت قبل أكثر من ألفي عام.
آثار تحكي قصة الحضارات
تزخر الإسكندرية بعشرات المواقع الأثرية التي تعكس تعاقب الحضارات عليها، ومن أبرزها قلعة قايتباي، وعمود السواري، والمسرح الروماني، ومقابر كوم الشقافة، والمتحف القومي بالإسكندرية.
وتقدم هذه المواقع للزائر رحلة عبر العصور الفرعونية واليونانية والرومانية والإسلامية، لتؤكد أن المدينة كانت ولا تزال نقطة التقاء للحضارات المختلفة.
العيد القومي.. ذكرى وطنية خالدة
تحتفل محافظة الإسكندرية بعيدها القومي في 26 يوليو من كل عام، إحياءً لذكرى خروج الملك فاروق من قصر رأس التين عام 1952 على متن اليخت الملكي "المحروسة"، عقب قيام ثورة 23 يوليو، في حدث تاريخي أنهى حقبة الملكية في مصر ومهد لقيام الجمهورية.
وتشهد المدينة بهذه المناسبة فعاليات ثقافية وفنية ورياضية، إلى جانب افتتاح عدد من المشروعات التنموية والخدمية التي تعكس استمرار جهود تطوير المحافظة.
مدينة تتجدد دون أن تفقد هويتها
شهدت الإسكندرية خلال السنوات الأخيرة تنفيذ العديد من مشروعات التطوير، شملت توسعة الطرق والمحاور المرورية، وتطوير الكورنيش، وتحسين الشواطئ، ورفع كفاءة المناطق التاريخية، إلى جانب مشروعات حماية الشواطئ من آثار التغيرات المناخية.
كما تواصل الدولة العمل على تطوير الموانئ وتعزيز البنية التحتية، بما يدعم مكانة الإسكندرية كمركز اقتصادي ولوجستي مهم على ساحل البحر المتوسط.
السياحة.. ركيزة أساسية للاقتصاد
تستقطب الإسكندرية سنويًا ملايين الزائرين من داخل مصر وخارجها، بفضل شواطئها الممتدة، ومناخها المعتدل، وتنوع معالمها التاريخية والثقافية.
وتجمع المدينة بين السياحة الشاطئية والثقافية والترفيهية، وهو ما يجعلها وجهة مفضلة للعائلات والباحثين والمهتمين بالتاريخ، خاصة خلال فصل الصيف.
مستقبل يليق بتاريخها
يرى متخصصون أن الحفاظ على مكانة الإسكندرية يتطلب مواصلة تطوير بنيتها التحتية، وصيانة مواقعها الأثرية، وتعزيز الاستثمار السياحي والثقافي، مع الحفاظ على الطابع التاريخي الذي يميز المدينة.
كما تمثل مشروعات التحول الرقمي، وتطوير الموانئ، وتحسين الخدمات السياحية، خطوات مهمة نحو تعزيز مكانة الإسكندرية كإحدى أبرز مدن البحر المتوسط.
عروس البحر المتوسط.. تاريخ لا يتوقف
بعد أكثر من 23 قرنًا على تأسيسها، لا تزال الإسكندرية تحتفظ بسحرها الخاص، حيث يلتقي التاريخ بالحاضر في مشهد فريد. فمن شوارعها القديمة إلى مكتبتها الحديثة، ومن قلعة قايتباي إلى كورنيشها الممتد، تواصل المدينة كتابة فصل جديد من تاريخها، لتبقى واحدة من أهم المدن التي صنعت الحضارة وأسهمت في تشكيل تاريخ البحر المتوسط، ولتظل بحق عروس البحر المتوسط التي لا تفقد بريقها مهما تعاقبت عليها الأزمنة.





