مدينة مفقودة وكنوز لا تُقدر بثمن..خبير آثار يكشف ما يخفيه قاع البحر
أكد الدكتور أحمد عامر، الخبير الأثري والمتخصص في علم المصريات، أن الآثار الغارقة تمثل أحد أكثر الملفات الأثرية ثراءً وإثارة في مصر، مشيرًا إلى أن الاهتمام بها لم يعد مجرد مشروع ثقافي، بل أصبح ضرورة استراتيجية يمكن أن تضيف بعدًا جديدًا للتاريخ الإنساني، وتعزز مكانة مصر كواحدة من أهم الوجهات السياحية والأثرية في العالم.
وأوضح عامر أن المياه المصرية، خاصة في منطقة خليج أبو قير شرق الإسكندرية، تخفي تحت سطحها مدينة كاملة ما زالت تحتفظ بأسرارها منذ آلاف السنين، وهي مدينة هرقليون، المعروفة لدى المصريين القدماء باسم ثونيس، والتي كانت واحدة من أهم الموانئ التجارية والدينية قبل أن تبتلعها مياه البحر نتيجة تغيرات جيولوجية وكوارث طبيعية.
وأشار إلى أن المدينة الغارقة تقع على عمق يقارب عشرة أمتار فقط، وتضم بقايا معابد ضخمة مخصصة للإله آمون، ومنشآت ملكية، وأرصفة موانئ، وسفنًا غارقة، وتماثيل عملاقة، إلى جانب آلاف القطع الأثرية التي تقدم معلومات جديدة عن تاريخ مصر القديمة، خاصة تاريخ الإسكندرية ودورها التجاري والديني في منطقة البحر المتوسط.
متحف الآثار الغارقة لم يعد رفاهية.. وكنوز هرقليون قادرة على صناعة فصل جديد في السياحة المصرية

وأضاف أن الاكتشافات الأثرية التي شهدتها المنطقة خلال العقود الأخيرة كشفت عن حجم استثنائي من الكنوز المغمورة بالمياه، حيث عُثر على ما يقرب من عشرة آلاف قطعة أثرية كبيرة، تشمل كتلًا حجرية وتماثيل ضخمة، إضافة إلى نحو اثني عشر ألف قطعة أثرية صغيرة، وهو ما يجعل هذه المنطقة واحدة من أغنى مواقع الآثار الغارقة على مستوى العالم.
وأكد الخبير الأثري أن هذه الكنوز لا تمثل قيمة أثرية فقط، بل تحمل أهمية علمية كبيرة، لأنها تعيد رسم صورة الحياة الاقتصادية والدينية والسياسية في مصر القديمة، وتكشف جوانب لم تكن معروفة من قبل عن المدن الساحلية التي ازدهرت قبل آلاف السنين.
إدارة التراث المغمور بالمياه يعتمد على الحفاظ على الآثار في مواقعها الأصلية كلما أمكن

وشدد عامر على أن فكرة إنشاء متحف متخصص للآثار الغارقة تمثل نقلة نوعية في استثمار هذا التراث الفريد، موضحًا أن المتحف لن يكون مجرد مكان لعرض القطع المنتشلة من البحر، بل مشروعًا ثقافيًا وسياحيًا متكاملًا يعرض قصة الحضارة المصرية من منظور مختلف، ويمنح الزائر تجربة لا تتوافر في أي متحف آخر.
وأوضح أن الاتجاه العالمي الحديث في إدارة التراث المغمور بالمياه يعتمد على الحفاظ على الآثار في مواقعها الأصلية كلما أمكن، مع الاستفادة منها عبر إنشاء متاحف ومراكز عرض تستخدم التكنولوجيا الحديثة، مثل الغوص السياحي المنظم، والواقع الافتراضي، والواقع المعزز، بما يسمح للزوار بمشاهدة المدن الغارقة دون الإضرار بها أو نقلها من بيئتها الطبيعية.
وأضاف أن تنفيذ مشروع بهذا الحجم سيضع مصر في مقدمة الدول الرائدة في مجال استثمار التراث البحري، كما سيسهم في تنويع المنتج السياحي، وجذب شريحة جديدة من السائحين المهتمين بالآثار والغطس والسياحة الثقافية، وهو ما ينعكس إيجابًا على الاقتصاد الوطني.
وأشار إلى أن النجاح الذي حققه المتحف المصري الكبير يؤكد قدرة مصر على تنفيذ مشروعات ثقافية عالمية، معربًا عن ثقته في أن إنشاء متحف للآثار الغارقة يمكن أن يمثل المشروع الحضاري الكبير التالي، إذا توافرت له الرؤية والدعم اللازمان، لما يمتلكه من مقومات فريدة لا تتكرر في كثير من دول العالم.
واختتم الدكتور أحمد عامر تصريحاته بالتأكيد على أن كنوز هرقليون وثونيس ليست مجرد آثار غارقة، بل صفحات كاملة من التاريخ لا تزال تنتظر من يقرأها، مشددًا على أن الاستثمار في هذا الملف سيمنح العالم فرصة لاكتشاف جانب جديد من الحضارة المصرية، وسيعزز مكانة مصر باعتبارها متحفًا مفتوحًا فوق الأرض وتحت مياه البحر في الوقت نفسه.





