كيف يعود الأثر للحياة؟ خبير آثار يكشف مراحل الترميم خطوة بخطوة
أكد الدكتور أحمد عامر، الخبير الأثري والمتخصص في علم المصريات، أن ترميم الآثار ليس مجرد عملية تجميل أو إصلاح لما أتلفه الزمن، وإنما هو علم دقيق يجمع بين الأثر والكيمياء والهندسة والجيولوجيا، ويهدف إلى الحفاظ على الشاهد المادي للحضارات الإنسانية، وضمان انتقاله إلى الأجيال المقبلة دون المساس بقيمته التاريخية أو الفنية.

وأوضح عامر أن كل قطعة أثرية تحمل بين تفاصيلها قصة حضارة كاملة، ولذلك فإن التعامل معها يتطلب أعلى درجات الدقة والاحترافية، مشيرًا إلى أن أي خطأ بسيط خلال عملية الترميم قد يؤدي إلى فقدان جزء من القيمة التاريخية للأثر، وهو ما يجعل هذا التخصص من أكثر المجالات حساسية داخل قطاع الآثار.
وأشار إلى أن رحلة ترميم أي أثر لا تبدأ باستخدام مواد الترميم، وإنما تنطلق بمرحلة علمية دقيقة تعتمد على دراسة الحالة الراهنة للأثر، حيث يتم توثيق جميع تفاصيله بالتصوير الفوتوغرافي والرسم الهندسي والمسح الرقمي، إلى جانب تسجيل أماكن التلف والشروخ وأسبابها، حتى تكون هناك قاعدة بيانات متكاملة يمكن الرجوع إليها في جميع مراحل العمل.
إجراء الفحوص والتحاليل العلمية باستخدام أحدث الأجهزة المعملية
وأضاف أن الخطوة التالية تتمثل في إجراء الفحوص والتحاليل العلمية باستخدام أحدث الأجهزة المعملية، بهدف تحديد نوعية الخامات التي صُنع منها الأثر، ومدى تأثرها بالعوامل البيئية أو الرطوبة أو الأملاح أو التلوث، مؤكدًا أن هذه المرحلة تمثل الأساس الذي تُبنى عليه خطة الترميم، فلا يمكن استخدام أي مادة قبل التأكد من توافقها الكامل مع طبيعة الأثر.
وأكد الخبير الأثري أن اختيار مواد الترميم يخضع لمعايير علمية صارمة، إذ يجب أن تكون المواد المستخدمة مستقرة كيميائيًا، ولا تتسبب في أي أضرار مستقبلية، مع إمكانية إزالتها أو استبدالها إذا استدعت الحاجة، وفقًا للمعايير الدولية المعتمدة في مجال صيانة وترميم الآثار.

وأوضح أن القطع الأثرية تخضع كذلك لعمليات تنظيف وتعقيم دقيقة للتخلص من الأتربة والفطريات والأملاح والعوامل التي تهدد سلامتها، ويتم تنفيذ هذه المراحل بحذر شديد، خاصة مع القطع الهشة التي قد تتأثر بأي تدخل غير مدروس، لافتًا إلى أن الهدف الأساسي هو الحفاظ على أصالة الأثر وليس إظهاره وكأنه جديد.
وأضاف أن مواقع الآثار الثابتة، مثل المعابد والقلاع والمساجد التاريخية، تتطلب هي الأخرى خططًا علمية متكاملة تشمل دراسة التربة، وحالة الأحجار، وتأثير المياه الجوفية والعوامل المناخية، قبل البدء في أي أعمال ترميم، لضمان الحفاظ على المبنى الأثري وفقًا لطبيعته الأصلية.
مصر حققت خلال السنوات الأخيرة نجاحات كبيرة في مجال ترميم وصيانة الآثار
وأشار الدكتور أحمد عامر إلى أن مصر حققت خلال السنوات الأخيرة نجاحات كبيرة في مجال ترميم وصيانة الآثار، مؤكدًا أن العديد من المشروعات نُفذت وفق أعلى المعايير الدولية، وأسهمت في استعادة بريق عدد من أهم المواقع الأثرية والتاريخية.
وأوضح أن من أبرز هذه النماذج مشروع ترميم صالة الأعمدة الكبرى بمعبد الكرنك، الذي أعاد إظهار روعة النقوش والألوان التاريخية، إلى جانب أعمال ترميم معبد إدفو، والتي كشفت تفاصيل معمارية ونقوشًا ظلت مخفية لسنوات طويلة، بالإضافة إلى مشروعات تطوير وترميم قلعة صلاح الدين الأيوبي، ومساجد رحاب آل البيت، وسور مجرى العيون، وقصر البارون إمبان، وغيرها من المشروعات التي أعادت تقديم هذه المواقع بصورة تليق بقيمتها التاريخية.

وأكد أن هناك مشروعات أخرى لا تزال قيد التنفيذ، مشيرًا إلى أن نتائجها ستصبح أكثر وضوحًا بعد الانتهاء الكامل من أعمال الترميم، وهو ما سيعكس حجم الجهد العلمي والفني المبذول للحفاظ على التراث المصري.
وشدد عامر على أن نجاح الترميم لا يُقاس بمدى تغير شكل الأثر، وإنما بقدرة المرممين على الحفاظ على أصالته وهويته التاريخية، بحيث يبقى شاهدًا حقيقيًا على الحضارة التي ينتمي إليها دون أي إضافات تشوه قيمته أو تغير ملامحه.
واختتم الدكتور أحمد عامر تصريحاته بالتأكيد على أن حماية الآثار مسؤولية وطنية وإنسانية، وأن الاستثمار في علوم الترميم هو استثمار في الحفاظ على ذاكرة مصر وحضارتها الممتدة لآلاف السنين، مشددًا على أن ما تحقق في السنوات الأخيرة يؤكد امتلاك مصر كوادر علمية قادرة على تنفيذ مشروعات ترميم تضاهي كبرى التجارب العالمية، بما يعزز مكانة البلاد باعتبارها صاحبة واحدة من أغنى الحضارات الإنسانية وأكثرها تأثيرًا في التاريخ.





