أشهر أكاذيب الحضارة المصرية تحت المجهر.. وخبير آثار يرد بالأدلة
أكد الدكتور أحمد عامر، الخبير الأثري والمتخصص في علم المصريات، أن الحضارة المصرية القديمة تعرضت على مدار عقود طويلة لسيل من النظريات والادعاءات غير العلمية التي تحولت مع الوقت إلى حقائق مزعومة في أذهان كثيرين، رغم افتقارها إلى أي دليل أثري أو تاريخي موثق، مشددًا على أن البحث العلمي هو المرجع الوحيد لفهم تاريخ مصر القديمة بعيدًا عن الخرافات التي تنتشر عبر مواقع التواصل الاجتماعي وبعض الأعمال الدرامية والأفلام.
وأوضح عامر أن من أكثر المزاعم تداولًا الادعاء بأن المصريين القدماء لم يشيدوا الأهرامات، وأن حضارات أو كائنات مجهولة هي التي قامت ببنائها، مؤكدًا أن هذا الطرح يتناقض مع مئات الأدلة الأثرية التي اكتشفتها البعثات المصرية والأجنبية، ومنها مقابر العمال، وأدوات البناء، والنقوش والبرديات التي وثقت مراحل العمل في تشييد الأهرامات، بما لا يترك مجالًا للشك في أن المصري القديم هو صاحب هذا الإنجاز الهندسي الفريد.
من لعنة الفراعنة إلى الزئبق الأحمر.. أساطير صنعتها الشائعات وهدمها العلم
وأشار إلى أن بعض النظريات ذهبت إلى اعتبار الأهرامات محطات لتوليد الطاقة أو منشآت ذات قدرات خارقة، وهي ادعاءات لا تستند إلى أي دراسة علمية معترف بها، وإنما تعتمد على تفسيرات خيالية لا علاقة لها بعلم الآثار أو الهندسة أو التاريخ، مؤكدًا أن الأهرامات شُيدت لتكون مقابر ملكية تحمل دلالات دينية وعقائدية ارتبطت بفكر المصري القديم حول البعث والخلود.
وأضاف أن الجدل المتكرر حول هوية فرعون الخروج، واعتبار الملك رمسيس الثاني هو المقصود بهذه الروايات، يظل مجرد فرضيات لم تحسمها الأدلة الأثرية أو النصوص التاريخية بشكل قاطع، ولذلك لا يجوز تقديمها للرأي العام باعتبارها حقائق تاريخية ثابتة.
وتطرق الخبير الأثري إلى ما أثير مؤخرًا حول وجود مدينة كاملة أسفل أهرامات الجيزة أو قارة أطلانتس المفقودة تحت تمثال أبو الهول، مؤكدًا أن هذه المزاعم لا تستند إلى أي اكتشاف أثري رسمي أو دراسة علمية منشورة، وأن المجلس الأعلى للآثار والبعثات العاملة في المنطقة لم يعلنوا عن أي نتائج تدعم مثل هذه الادعاءات، التي تهدف في كثير من الأحيان إلى إثارة الجدل وتحقيق الانتشار الإعلامي.
كما نفى الدكتور أحمد عامر صحة الروايات التي تزعم أن المصريين القدماء كانوا يقتلون العبيد عقب وفاة الفرعون ويدفنونهم معه لخدمته في العالم الآخر، موضحًا أن هذه الفكرة لا تعبر عن طبيعة المجتمع المصري القديم، وأن ما يردده البعض يستند إلى تعميم خاطئ لحالات استثنائية ونادرة جدًا لا يمكن اعتبارها ممارسة شائعة أو جزءًا من العقيدة المصرية القديمة.
"لعنة الفراعنة"…أكبر كذبة
وفي السياق نفسه، أكد أن ما يُعرف بـ"لعنة الفراعنة" ارتبط تاريخيًا باكتشاف مقبرة الملك توت عنخ آمون، عندما انتشرت شائعات ربطت بين وفاة بعض الأشخاص المشاركين في أعمال الكشف الأثري وبين وجود لعنة تحرس المقبرة، إلا أن الدراسات العلمية لم تثبت وجود أي ظاهرة خارقة للطبيعة، كما أن كثيرًا من أعضاء البعثة عاشوا سنوات طويلة بعد الاكتشاف، وهو ما ينفي صحة هذه الأسطورة.
وتناول أيضًا أسطورة "الزئبق الأحمر"، التي ما زالت تتردد حتى اليوم، مؤكدًا أنه لا توجد أي قطعة أثرية أو بردية أو نص فرعوني أو اكتشاف علمي يثبت وجود مادة بهذا الاسم استخدمها المصريون القدماء في التحنيط أو إطالة العمر أو الأعمال السحرية، مشيرًا إلى أن هذه الرواية تعد من أكثر الخرافات انتشارًا واستغلالًا في عمليات النصب والاتجار غير المشروع بالآثار.
وأوضح عامر أن استمرار تداول هذه الشائعات يعكس أهمية تكثيف التوعية الأثرية ونشر المعلومات الصحيحة، خاصة مع الانتشار الواسع للمحتوى غير الموثق على المنصات الرقمية، مؤكدًا أن مسؤولية تصحيح المفاهيم لا تقع على عاتق علماء الآثار فقط، بل تمتد إلى المؤسسات التعليمية والإعلامية والثقافية، التي يجب أن تقدم المعرفة القائمة على الأدلة، لا على الإثارة.
واختتم الدكتور أحمد عامر تصريحاته بالتأكيد على أن الحضارة المصرية القديمة ليست بحاجة إلى الأساطير حتى تثير إعجاب العالم، فحقيقتها وإنجازاتها العلمية والهندسية والثقافية أعظم بكثير من أي خيال، مشددًا على أن حماية هذا التراث تبدأ بمواجهة الشائعات، واحترام المنهج العلمي، والاعتماد على الحقائق الموثقة في قراءة تاريخ مصر، حتى يبقى إرثها الحضاري مصدر فخر للأجيال الحالية والقادمة.





