هيمنة رقمية على السياحة الثقافية، منصات الحجز العالمية تستحوذ على بوابة الزائر
مع التحول الرقمي المتسارع في قطاع السياحة، أصبحت منصات الحجز الإلكترونية العالمية شريكًا رئيسيًا في تخطيط الرحلات، فلم يعد السائح بحاجة إلى مكاتب السفر التقليدية، بل يكفيه هاتف ذكي لحجز تذكرة دخول إلى أشهر المتاحف والمواقع الأثرية حول العالم.
لكن هذا التحول فتح بابًا واسعًا للنقاش حول تنامي نفوذ منصات الحجز العالمية، وما إذا كانت تتحول تدريجيًا إلى وسيط يفرض قواعده على المؤسسات الثقافية والسياحية.
جمع خدمات السفر في مكان واحد

وتعتمد هذه المنصات، المعروفة عالميًا باسم Online Travel Agencies (OTAs)، على جمع خدمات السفر في مكان واحد، بدءًا من تذاكر الطيران والفنادق، وصولًا إلى تذاكر المتاحف والفعاليات الثقافية.
وبفضل انتشارها الواسع وقدراتها التسويقية الضخمة، أصبحت مصدرًا رئيسيًا للحجوزات بالنسبة للعديد من الوجهات السياحية.
لكن في المقابل، يرى خبراء أن هذا النفوذ يمنح تلك المنصات قدرة كبيرة على التأثير في حركة الزوار، من خلال ترتيب نتائج البحث، وإبراز بعض المواقع أو التجارب السياحية على حساب أخرى، إلى جانب فرض عمولات قد تؤثر في العائد المالي الذي تحصل عليه المتاحف والمواقع الأثرية.
المنصة هي القناة الأساسية للوصول إلى الزائر

وتبرز الإشكالية بصورة أكبر عندما تصبح المنصة هي القناة الأساسية للوصول إلى الزائر، إذ قد يعتاد السائح على الحجز من خلالها بدلًا من المواقع الرسمية، وهو ما يمنح الوسيط بيانات الزوار، ويجعله المتحكم في تجربة الحجز والتواصل مع العملاء، بينما تتراجع العلاقة المباشرة بين المؤسسة الثقافية وزائريها.
كما يشير متخصصون إلى أن بعض المنصات تقدم باقات تضم عدة مزارات في تذكرة واحدة، أو عروضًا مرتبطة بجولات سياحية، وهو ما يمنحها قدرة على توجيه حركة السائحين نحو مواقع معينة تحقق لها عائدًا أكبر، بينما قد تحظى مواقع أخرى بظهور أقل رغم قيمتها التاريخية.
حين يتحكم الوسيط في الرحلة.. هل تحتكر منصات الحجز العالمية زيارة المتاحف والمواقع الأثرية؟

وفي المقابل، تؤكد مؤسسات ثقافية وسياحية أن التعاون مع منصات الحجز العالمية يوفر مزايا مهمة، أبرزها الوصول إلى ملايين المستخدمين حول العالم، وتسهيل إجراءات الحجز والدفع بعدة لغات وعملات، فضلًا عن تعزيز الترويج للمقاصد السياحية في الأسواق الدولية، خاصة بالنسبة للدول التي تسعى لزيادة أعداد الزائرين.
ويرى خبراء الاقتصاد الرقمي أن المشكلة لا تكمن في وجود المنصات نفسها، وإنما في غياب التوازن بين دور الوسيط وحق المؤسسات المالكة للمواقع الأثرية في الحفاظ على استقلالية التسويق والتسعير وإدارة بيانات الزوار.
ومن هنا تتجه العديد من المتاحف والمؤسسات الثقافية حول العالم إلى تطوير منصاتها الرقمية الرسمية، وإطلاق تطبيقات للحجز المباشر، مع تقديم مزايا إضافية للزائر الذي يحجز عبر القنوات الرسمية، بهدف تقليل الاعتماد الكامل على الوسطاء الرقميين.
هل ما زالت المتاحف والمواقع الأثرية تتحكم في زائريها؟

وفي ظل المنافسة العالمية على جذب السائح، تبدو منصات الحجز الإلكترونية أداة لا يمكن الاستغناء عنها، لكنها في الوقت نفسه تفرض تحديًا جديدًا يتعلق بمن يملك بوابة الوصول إلى التراث.
فكلما زادت سيطرة الوسيط الرقمي، أصبح السؤال أكثر إلحاحًا: هل ما زالت المتاحف والمواقع الأثرية تتحكم في زائريها، أم أن الخوارزميات أصبحت اللاعب الأقوى في رسم خريطة السياحة الثقافية؟





