الأوشابتي.. لماذا دفن المصري القديم مئات التماثيل الصغيرة مع الموتى؟
لطالما أثارت الأوشابتي فضول زوار المتاحف والمواقع الأثرية، فهذه التماثيل الصغيرة التي عُثر عليها بالمئات داخل المقابر المصرية القديمة لم تكن مجرد قطع فنية للزينة، بل ارتبطت بعقيدة المصري القديم وإيمانه بالحياة بعد الموت.
وتعد الأوشابتي من أكثر القطع الأثرية انتشارًا داخل المقابر، حيث اعتقد المصريون القدماء أنها سترافق المتوفى في العالم الآخر وتؤدي عنه الأعمال المطلوبة منه.

ما هو الأوشابتي؟
يُطلق اسم الأوشابتي على تماثيل صغيرة كانت تُصنع من مواد مختلفة، أبرزها الفيانس الأزرق، والخشب، والحجر، وأحيانًا من مواد أكثر قيمة تبعًا لمكانة صاحب المقبرة. وغالبًا ما كانت التماثيل تُصور المتوفى في هيئة مومياء، وتحمل أدوات زراعية مثل الفؤوس والسلال، في إشارة إلى المهام التي ستؤديها في الحياة الأخرى.
ونقشت على كثير من تماثيل الأوشابتي تعاويذ من الفصل السادس من "كتاب الموتى"، وهي نصوص دينية كان يُعتقد أنها تمنح التمثال القدرة على الاستجابة إذا طُلب من المتوفى أداء أي عمل في العالم الآخر.
لماذا كان المصري القديم يدفن الأوشابتي مع الموتى؟
اعتقد المصريون القدماء أن الحياة بعد الموت تشبه إلى حد كبير الحياة على الأرض، وأن المتوفى قد يُطلب منه القيام بأعمال، خاصة الأعمال الزراعية، داخل العالم الآخر. ومن هنا جاءت فكرة الأوشابتي، إذ كان يُنظر إليه باعتباره خادمًا رمزيًا ينوب عن صاحبه في أداء تلك المهام.
ومع مرور الوقت، لم يعد يُدفن تمثال واحد فقط، بل أصبحت بعض المقابر تضم عشرات أو حتى مئات من تماثيل الأوشابتي، وفي بعض الحالات كان يوجد تمثال لكل يوم من أيام السنة، بالإضافة إلى تماثيل تُعرف بالمشرفين، في دلالة على التنظيم والدقة اللذين ميزا الفكر المصري القديم.
الأوشابتي.. شاهد على العقيدة والفن
لا تعكس تماثيل الأوشابتي الجانب الديني فقط، بل تُبرز أيضًا براعة المصريين القدماء في النحت وصناعة الفيانس، حيث زُينت كثير من التماثيل بنقوش دقيقة وألوان ما زالت تحتفظ بجمالها رغم مرور آلاف السنين، واليوم، تُعرض تماثيل الأوشابتي في العديد من المتاحف داخل مصر وخارجها، وتُعد من أكثر القطع الأثرية التي تساعد الباحثين على فهم العقيدة الجنائزية وتطور الطقوس المرتبطة بالدفن في الحضارة المصرية القديمة.
ويؤكد علماء الآثار أن الأوشابتي لم يكن مجرد تمثال صغير يُوضع داخل المقبرة، بل كان جزءًا أساسيًا من معتقدات المصري القديم، التي قامت على الإيمان بالحياة الأخرى والاستعداد لها بكل تفاصيلها، وهو ما يجعل هذه التماثيل من أبرز الشواهد على عمق الفكر الديني والحضاري في مصر القديمة.





