رئيس مجلس الإدارة
عمرو عامر
رئيس مجلس الإدارة
عمرو عامر

حين رسم المصريون الخلود.. بورتريهات الفيوم تعود إلى الواجهة العالمية من جديد

حين رسم المصريون
حين رسم المصريون الخلود.. بورتريهات الفيوم تعود إلى الواجهة

قبل ما يقرب من ألفي عام، جلس رجال ونساء وأطفال في مدن مصر الرومانية أمام فنانين مجهولين، ليرسموا ملامحهم على ألواح خشبية صغيرة لم يكن أحد يتخيل أنها ستصبح بعد قرون من أشهر الأعمال الفنية في تاريخ الإنسانية. 

هذه اللوحات، المعروفة اليوم باسم «بورتريهات الفيوم»، لم تكن مجرد صور شخصية لأصحابها، بل نافذة استثنائية تطل على وجوه حقيقية عاشت على أرض مصر، وتحوّلت مع الزمن إلى أحد أهم الشواهد الفنية على التفاعل الحضاري بين الشرق والغرب. 

من الفيوم إلى روما وجوه مصر الخالدة تواصل إبهار العالم عبر العصور

وتُعد بورتريهات الفيوم من أكثر الكنوز المصرية تميزًا، لأنها تختلف عن الفن المصري القديم المعروف بالرمزية والقواعد الصارمة في تصوير الأشخاص. فهذه اللوحات قدمت وجوهًا واقعية بتفاصيل دقيقة ونظرات إنسانية تكاد تنطق بالحياة، ما جعلها محل إعجاب المؤرخين وعلماء الآثار والنقاد الفنيين حول العالم. 

وعلى الرغم من أن اسمها ارتبط بمنطقة الفيوم، فإن هذه البورتريهات عُثر على نماذج منها في عدة مناطق مصرية، وكانت تُثبت فوق المومياوات خلال العصرين اليوناني والروماني، لتجسد مزيجًا فريدًا بين العقائد الجنائزية المصرية القديمة والأساليب الفنية الوافدة من العالم الهلنستي والروماني.

 ومع مرور الزمن، أصبحت هذه الأعمال مصدرًا مهمًا لدراسة المجتمع المصري في تلك الفترة، إذ تكشف عن ملامح السكان وملابسهم وزينتهم ومستوياتهم الاجتماعية، كما توثق مرحلة تاريخية شهدت تلاقي حضارات متعددة على أرض مصر. ولهذا ينظر إليها الباحثون باعتبارها وثائق بصرية لا تقل أهمية عن النصوص التاريخية. 

تستعد العاصمة الإيطالية روما لاستقبال معرض «قوة البورتريهات: من الفيوم إلى روما»

واليوم، تستعد العاصمة الإيطالية روما لاستقبال معرض «قوة البورتريهات: من الفيوم إلى روما»، في خطوة تعكس المكانة العالمية التي تحظى بها هذه الأعمال الفنية الفريدة. 

ويأتي المعرض ليعيد تقديم بورتريهات الفيوم لجمهور أوروبي واسع، ليس باعتبارها قطعًا أثرية فقط، بل بوصفها تجربة إنسانية وفنية عابرة للزمن.

 وتحمل استضافة روما للمعرض دلالة خاصة، فالعاصمة الإيطالية كانت يومًا مركز الإمبراطورية الرومانية التي امتدت إلى مصر، بينما تمثل البورتريهات نفسها إحدى أبرز نتائج التفاعل بين الحضارتين المصرية والرومانية. 

ومن ثم فإن عرضها في روما يشبه عودة رمزية لهذه الأعمال إلى أحد الفضاءات الثقافية التي أسهمت في تشكيلها. ولا تقتصر أهمية هذه المعارض على الترويج للآثار المصرية، بل تسهم أيضًا في تعزيز الحضور الثقافي لمصر على الساحة الدولية، وتؤكد أن الحضارة المصرية لا تزال قادرة على إثارة الدهشة حتى بعد آلاف السنين. 

فبينما تتغير الأزمان وتتعاقب الحضارات، تظل تلك الوجوه المرسومة على ألواح خشبية صغيرة تحتفظ بسحرها، وتروي للعالم قصة بشر عاشوا في مصر القديمة، لكن ملامحهم ما زالت تنظر إلينا حتى اليوم من قلب التاريخ.

تم نسخ الرابط