أشهر تمثالين في الأقصر.. حكاية الصوت الذي أدهش الأباطرة وأربك العلماء
على الضفة الغربية لنهر النيل في الأقصر، يقف عملاقان من الحجر منذ أكثر من ثلاثة آلاف وأربعمائة عام، يراقبان شروق الشمس كل صباح في صمت مهيب.
ورغم أن الزمن أطاح بالمعبد الذي كانا يحرسانه، ومرت عليهما الزلازل والفيضانات وتقلبات الطبيعة، فإنهما بقيا شاهدين على واحدة من أعظم فترات الحضارة المصرية القديمة، حتى تحولا إلى أشهر تمثالين في العالم ارتبط اسمهما بأسطورة لا تمت إلى مصر القديمة بصلة إنهما تمثالا ممنون، اللذان يجسدان في الحقيقة الفرعون أمنحتب الثالث، أحد أعظم ملوك الأسرة الثامنة عشرة، وصاحب عصر ازدهرت فيه العمارة والفنون والدبلوماسية، وشهدت مصر خلاله استقرارًا سياسيًا وثروةً هائلة انعكست في المعابد والقصور والتماثيل الضخمة التي ما زال كثير منها قائمًا حتى اليوم.
ارتفاع كل تمثال نحو 18 مترًا، ويزن مئات الأطنان

شيد التمثالان نحو عام 1350 قبل الميلاد ليقفا أمام المدخل الرئيسي للمعبد الجنائزي الضخم لأمنحتب الثالث في البر الغربي بمدينة الأقصر
. ويبلغ ارتفاع كل تمثال نحو 18 مترًا، ويزن مئات الأطنان، وقد نُحتا من كتل ضخمة من حجر الكوارتزيت جُلبت من محاجر بعيدة، في إنجاز هندسي يعكس براعة المصريين القدماء في نقل الأحجار العملاقة وتشكيلها دون التقنيات الحديثة.
ويظهر الملك جالسًا على العرش في هيئة مهيبة، واضعًا يديه على ركبتيه، بينما نُحت إلى جانبي ساقيه تمثالان صغيران لزوجته الملكة تي ووالدته موت إم ويا، في دلالة على المكانة الملكية والأسرة الحاكمة، كما تزين جوانب العرش نقوش تمثل توحيد مصر العليا والسفلى، وهو أحد أهم الرموز السياسية والدينية في الفكر المصري القديم.
لكن شهرة التمثالين لم تأتِ من حجمهما فقط، بل من ظاهرة غامضة حيّرت العالم القديم. ففي عام 27 قبل الميلاد، تعرض أحد التمثالين لزلزال قوي أحدث به شقوقًا، وبعد ذلك بدأ الزوار يسمعون صوتًا خافتًا عند شروق الشمس، يشبه صفيرًا أو نغمة موسيقية قصيرة، خاصة في الصباح الباكر.
الروايات بين الإغريق والرومان، الذين اعتقدوا أن الصوت يعود إلى البطل الأسطوري

وسرعان ما انتشرت الروايات بين الإغريق والرومان، الذين اعتقدوا أن الصوت يعود إلى البطل الأسطوري ممنون، ابن إلهة الفجر في الميثولوجيا اليونانية، والذي كان – بحسب أساطيرهم – يحيي والدته كل صباح.
ومن هنا أطلقوا على التمثالين اسم "تمثالي ممنون"، وهو الاسم الذي اشتهرا به حتى اليوم، رغم أنه لا يمت بصلة إلى هوية الملك الذي يجسدانه.
وأصبح التمثال الذي كان يصدر الصوت مقصدًا للأباطرة والرحالة والشعراء، وسجل كثير منهم زياراتهم على التمثال نفسه بكتابات لا تزال موجودة حتى الآن، في واحدة من أقدم "مذكرات الزوار" التي عرفها التاريخ.
ويرجح علماء الآثار أن الصوت لم يكن معجزة أو ظاهرة خارقة، بل نتج عن مرور الهواء أو تكاثف الرطوبة داخل الشقوق التي أحدثها الزلزال، ومع ارتفاع حرارة الشمس كانت الصخور تتمدد فتُصدر ذلك الصوت المميز.
وعندما أُعيد ترميم التمثال في العصر الروماني، اختفى الصوت تمامًا، لتنتهي الأسطورة ويبقى الاسم.رغم اختفاء المعبد الجنائزي الذي كان يُعد من أكبر معابد مصر القديمة بسبب الفيضانات وإعادة استخدام أحجاره في عصور لاحقة، فإن التمثالين بقيا في مكانيهما، يتحديان الزمن كحارسين أبديين لذاكرة الحضارة المصرية.
واليوم، يُعد تمثالا ممنون من أبرز المعالم الأثرية في الأقصر، ويقف أمامهما آلاف السائحين يوميًا لالتقاط الصور والاستماع إلى حكايتهما، التي تمتزج فيها الحقيقة التاريخية بالأسطورة، لتؤكد أن آثار مصر لا تحفظ تاريخ الملوك فحسب، بل تحفظ أيضًا القصص التي نسجتها الشعوب حولها عبر آلاف السنين.
اهكذا، لم يكن سر شهرة تمثالي ممنون في ضخامتهما فقط، بل في قدرتهما على تحويل ظاهرة طبيعية عابرة إلى أسطورة خالدة، جعلت من تمثالين صامتين أحد أشهر رموز الحضارة المصرية القديمة في ذاكرة العالم.





