من روائع المتحف المصري بالتحرير، تمثال خشبي لـ«أوزير» يجسد عقيدة البعث والخلود
سلط المتحف المصري بالتحرير الضوء على إحدى أبرز روائعه الأثرية، من خلال استعراض تمثال خشبي ملون للمعبود «أوزير»، أحد أهم الآلهة في العقيدة المصرية القديمة، والذي ارتبط اسمه بمفاهيم البعث والخلود والعدالة والخصوبة، وظل لقرون طويلة رمزًا للأمل في الحياة الأخرى لدى المصري القديم.
ويأتي عرض هذه القطعة في إطار جهود المتحف للتعريف بمقتنياته الفريدة، وإبراز ما تحمله من دلالات دينية وفنية وحضارية، إذ لا يمثل التمثال عملاً فنياً فحسب، بل يجسد جانبًا من الفكر الفلسفي والعقائدي الذي آمن به المصريون القدماء، وسعوا إلى ترسيخه في فنونهم وطقوسهم الجنائزية.
أزير.. سيد العالم الآخر
حظي المعبود «أوزير» بمكانة استثنائية داخل المعتقدات المصرية القديمة، إذ عُرف بلقب «خنتي آمنتي» أي «سيد الغربيين» أو «إمام الموتى»، وأصبح الحاكم الأبدي للعالم الآخر، والقاضي الذي يمثل أمامه المتوفى في محكمة الحساب، حيث تُوزن أعمال الإنسان قبل أن يُمنح حق الحياة الأبدية.

ولم يكن أوزير مجرد إله للموت، بل كان رمزًا لتجدد الحياة، إذ رأى المصري القديم في دورة الزراعة السنوية، وعودة النبات إلى النمو بعد الفيضان، تجسيدًا لفكرة الانبعاث التي يمثلها أوزير، وهو ما جعل عبادته ترتبط بالخصوبة والنماء إلى جانب العالم الآخر.
ٱسطورة صنعت أحد أشهر المعتقدات الإنسانية
تحكي الأسطورة المصرية القديمة أن أوزير، الملك العادل الذي علّم البشر الزراعة والقوانين، تعرض لمؤامرة من شقيقه «ست»، رمز الفوضى والشر، الذي قتله ومزق جسده إلى أجزاء متناثرة في أنحاء البلاد.
غير أن زوجته وشقيقته المعبودة «إيزيس» رفضت الاستسلام، فانطلقت في رحلة طويلة جمعت خلالها أشلاء زوجها بمساعدة أختها «نفتيس»، قبل أن تستخدم قواها السحرية لإعادة الحياة إليه، ليصبح أوزير منذ ذلك الحين سيد العالم الآخر، بينما أنجبت منه ابنهما «حورس»، الذي خاض صراعًا طويلًا مع عمه «ست» حتى استعاد عرش أبيه، لترسخ الأسطورة قيم العدالة والانتصار على الظلم، وتجعل من أوزير رمزًا للبعث والانتصار على الموت.
قراءة فنية في تفاصيل التمثال
يكشف التمثال الخشبي الملون عن براعة الفنان المصري القديم في توظيف اللون والرمز لخدمة العقيدة الدينية، حيث جاءت كل تفاصيله محملة بمعانٍ دقيقة تعكس فلسفة البعث.
فقد صُور وجه أوزير باللون الأخضر، وهو لون ارتبط بطمي النيل والنبات والحياة المتجددة، ليصبح رمزًا للخصوبة والانبعاث بعد الموت.
ويظهر الجسد في هيئة مومياء ملفوفة باللفائف البيضاء، في إشارة واضحة إلى الطقوس الجنائزية وإيمان المصري القديم بأن حفظ الجسد يمثل خطوة أساسية في رحلة الخلود، بينما تتقاطع اليدان فوق الصدر في وضع يميز تصوير أوزير في أغلب الأعمال الفنية.

ويرتدي المعبود اللحية الإلهية المستعارة ذات اللون الأزرق، ويعلو رأسه تاج «الآتف»، الذي يتكون من تاج مصر العليا تحيط به ريشتا نعام، وهو أحد أهم التيجان الملكية والدينية التي ارتبطت بأوزير، ويحمل دلالات السيادة والقداسة.
كما يحمل التمثال على واجهته نصًا هيروغليفيًا رأسيًا كُتب على خلفية صفراء، يتضمن صيغة تقديم القرابين، وهي من أشهر النصوص الجنائزية التي كانت تُنقش على التماثيل والتوابيت، بهدف ضمان حصول المتوفى على الطعام والشراب والبخور وسائر القرابين في العالم الآخر.
التمثال.. أكثر من عمل فني
ويؤكد علماء الآثار أن وجود تمثال لأوزير داخل المقابر لم يكن عنصرًا زخرفيًا، بل كان جزءًا أصيلًا من العقيدة الجنائزية المصرية، إذ اعتقد المصري القديم أن التشبه بأوزير في الهيئة والطقوس يمنح المتوفى فرصة البعث من جديد، تمامًا كما عاد أوزير إلى الحياة في العالم الآخر.
لهذا جاءت المومياوات في هيئة تشبه هيئة أوزير، كما انتشرت تماثيله داخل المقابر والمعابد، ليصبح رمزًا للحياة الأبدية، وضمانة روحية ترافق المتوفى في رحلته نحو الخلود.
رسالة حضارية عبر آلاف السنين
ويجسد هذا التمثال جانبًا مهمًا من عبقرية الحضارة المصرية القديمة، التي لم تنظر إلى الموت باعتباره نهاية للحياة، بل بداية لوجود جديد، يقوم على العدالة والاستقامة واستحقاق الخلود.
كما يعكس قدرة الفنان المصري القديم على ترجمة الأفكار الدينية والفلسفية إلى أعمال فنية دقيقة، حافظت على قيمتها الجمالية والرمزية عبر آلاف السنين، لتظل شاهدة على عمق الفكر المصري القديم وإبداعه في التعبير عن أعقد المفاهيم الإنسانية من خلال الفن.





