الأوستراكا، فيسبوك المصري القديم على شقف الفخار
في عصر لم تكن فيه الورقة متاحة للجميع، ابتكر المصري القديم وسيلة بسيطة وعملية لتسجيل تفاصيل حياته اليومية، عرفت باسم «الأوستراكا»، وهي كلمة يونانية تعني الشقفات أو القطع المكسورة من الفخار والحجر الجيري التي استخدمت كمساحات للكتابة والرسم، لتصبح بمثابة دفاتر الملاحظات الشخصية لأهل مصر القديمة.
فبينما خصصت لفائف البردي الثمينة للوثائق الرسمية والنصوص الدينية المهمة، لجأ الكتبة والعمال والتلاميذ إلى استخدام كسرات الأواني الفخارية أو الرقائق الجيرية المسطحة، التي كانت متوفرة بكثرة ويسهل الكتابة عليها بالحبرين الأسود والأحمر.

رسائل وقوائم ورسوم ساخرة.. أسرار الأوستراكا في مصر القديمة
ولم تقتصر استخدامات الأوستراكا على تدوين الحسابات اليومية أو تسجيل قوائم المؤن والاحتياجات المنزلية، بل تحولت إلى أداة تعليمية داخل مدارس الكتبة، حيث تدرب الأطفال على تعلم الكتابة والرسم، كما استُخدمت في تبادل الرسائل بين العمال، وكتابة الوصفات الطبية، وتدوين القصص والحكايات الشعبية.
ويمنح هذا النوع من اللقى الأثرية الباحثين فرصة نادرة للتعرف على تفاصيل الحياة اليومية بعيدًا عن النصوص الملكية والطقسية. فقد كشفت آلاف الأوستراكا المكتشفة في دير المدينة عن شكاوى العمال، وسجلات الغياب عن العمل، ومشتريات الأسر، وحتى المراسلات الشخصية بين سكان القرية.

شقفات تحكي الحياة.. الأوستراكا نافذة على يوميات المصري القديم
ومن أكثر ما يثير اهتمام علماء المصريات وجود شقفات تحمل رسومات ساخرة أو مشاهد كاريكاتيرية لحيوانات تؤدي أدوار البشر، في لمحة تكشف أن روح الدعابة لم تكن غائبة عن المصري القديم. كما تضم بعض القطع مسودات فنية لرسامين كانوا يتدربون على رسم الأشكال وضبط النسب قبل تنفيذ الزخارف النهائية على جدران المقابر الملكية.
الاوستراكا..مذكراته اليومية مكتوبة على شقفات صغيرة
ولا تزال مجموعات الأوستراكا المعروضة داخل المتحف المصري شاهدة على هذا الجانب الإنساني من الحضارة المصرية، إذ تقدم صورة نابضة بالحياة عن مجتمع لم يترك لنا المعابد والتماثيل فحسب، بل ترك أيضًا مذكراته اليومية مكتوبة على شقفات صغيرة، يمكن اعتبارها اليوم أقرب ما تكون إلى صفحات التواصل الاجتماعي في العالم القديم.






