رئيس مجلس الإدارة
عمرو عامر
رئيس مجلس الإدارة
عمرو عامر

عندما تتحول أزمة المطعم إلى أزمة سمعة.. من يدير الأزمة ومن يملك حق الحكم ؟

Go Egypia

ترددت كثيرًا قبل أن أكتب عن الأزمات الأخيرة التي شهدتها بعض المطاعم، وفضلت أن أتابع المشهد بهدوء، بعيدًا عن الانفعال أو الانحياز لأي طرف.

لكن ما حدث في أزمتي مطعم سيزلار وشجرة الدر يفتحان الباب أمام قضية أكبر من تفاصيل كل واقعة، وهي: كيف تدير المطاعم أزماتها؟ وكيف أصبح الـFood Blogger طرفًا شديد التأثير في صناعة سمعة المطاعم؟ وهل كل من يمتلك هاتفًا وكاميرا وعددًا كبيرًا من المتابعين أصبح مؤهلًا للحكم على المطاعم؟

الأزمة ليست المشكلة.. وإنما طريقة إدارتها في صناعة الضيافة، حدوث مشكلة مع أحد العملاء أمر وارد، مهما بلغت كفاءة المنشأة والعاملين بها.

لكن الفرق بين مطعم محترف وآخر غير محترف لا يظهر في عدم حدوث المشكلات، وإنما في كيفية التعامل معها عند حدوثها.

هناك قواعد أساسية لإدارة أزمات المطاعم:

أولًا: الاستماع وعدم الانفعال.

يجب أن يستمع المسؤول إلى شكوى العميل كاملة، دون الدخول معه في مواجهة أو محاولة إثبات أنه مخطئ في اللحظة الأولى.

ثانيًا: احتواء الموقف بعيدًا عن الجمهور.

كلما أمكن، يجب نقل المشكلة من مساحة عامة إلى مساحة خاصة، لأن الأزمة أمام العملاء والكاميرات والسوشيال ميديا تختلف تمامًا عن الأزمة داخل مكتب المدير.

ثالثًا: الفصل بين حق العميل وحق الموظف.

ليس كل عميل محقًا، وليس كل موظف مخطئًا، ولا يجوز اتخاذ قرار عقابي بحق موظف لمجرد أن العميل استطاع تحويل الواقعة إلى قضية رأي عام.

رابعًا: سرعة الاستجابة.

التأخر في الرد على أزمة رقمية قد يسمح للرواية الأولى بالانتشار، وعندما تنتشر رواية واحدة يصبح تصحيحها أكثر صعوبة.

خامسًا: عدم اتخاذ قرارات انفعالية تحت ضغط السوشيال ميديا.

فالقرار الإداري الذي يصدر لإرضاء الرأي العام في لحظة غضب قد يتحول غدًا إلى مشكلة أكبر.

سيزلار.. عندما لا يكفي الاعتذار وحده

في واقعة سيزلار بمول العرب، تحولت واقعة مرتبطة بمنع سيدة من أداء الصلاة داخل المطعم إلى قضية رأي عام، وانتهت، بحسب ما نشرته وسائل إعلام، باعتذار الإدارة وقرار بفصل مدير الفرع، مع تداول تفاصيل وروايات مختلفة حول الواقعة.

ومن وجهة نظري المهنية، هنا يجب أن نتوقف أمام قرار فصل مدير المطعم.

أنا لست مع السيدة في شكواها إذا كان الثابت أن المطعم لم يكن ملزمًا بتخصيص مكان للصلاة، خصوصًا في وجود أماكن مخصصة لذلك داخل المول.

وفي الوقت نفسه، لست مع إدارة المطعم في فصل المدير لمجرد احتواء الأزمة، إذا ثبت أنه لم يرتكب خطأً مهنيًا يستوجب الفصل.

القاعدة الذهبية في السياحة والضيافة تقول:

"العميل دائمًا على حق."

لكن هذه الجملة لا تعني أن العميل دائمًا على صواب.

معناها الحقيقي أن إدارة المنشأة يجب أن تتعامل مع العميل باحترام واحتراف، حتى عندما يكون العميل مخطئًا.

كان يمكن، على سبيل المثال، معالجة الموقف إداريًا بصورة أكثر حكمة، أو حتى نقل المدير إلى فرع آخر إذا كانت الإدارة ترى أن استمرار وجوده في نفس الفرع قد يسبب مشكلة، بدلًا من اتخاذ قرار قد يُفهم باعتباره إدانة لموظف لمجرد وقوع أزمة.

وهنا يظهر الفارق بين إدارة الأزمة وإرضاء الجمهور.

شجرة الدر.. عندما يصبح الـFood Blogger جزءًا من الأزمة

أما واقعة مطعم شجرة الدر، فقد أعادت إلى الواجهة قضية أخطر بكثير:

هل أصبح الـFood Blogger هو الحكم النهائي على المطاعم؟

أنا هنا لا أتحدث عن شخص بعينه، ولا أريد أن أحول المقال إلى محاكمة لبلوجر أو دفاع أعمى عن مطعم.

لكنني أتحدث عن ظاهرة أصبحت تحتاج إلى نقاش مهني حقيقي.

الـFood Blogger في النهاية يقدم محتوى يعتمد بدرجة كبيرة على تجربته الشخصية ورأيه الشخصي.

قد يحب طبقًا لا يعجبني.

وقد يرى أن مطعمًا ممتاز، بينما أراه عاديًا.

وهذا طبيعي.

لكن المشكلة تبدأ عندما يتحول الرأي الشخصي إلى حكم قطعي، ثم يتحول الحكم إلى حملة، ثم تتحول الحملة إلى ضغط على المطعم والعاملين به.

وهنا يجب أن نسأل:

من منح الـFood Blogger سلطة إصدار الأحكام؟

هل عدد المتابعين مؤهل علمي؟

هل امتلاك كاميرا احترافية مؤهل مهني؟

هل القدرة على صناعة فيديو جذاب تعني القدرة على تقييم الطعام؟

وهل ملايين المشاهدات تعني أن صاحب الرأي أكثر معرفة بالطهي والإدارة والخدمة من آلاف العاملين في صناعة الضيافة؟

الإجابة في رأيي: بالتأكيد لا.

إذن.. ما هو الـFood Blogger المحترف؟

أنا لا أرى أن الـFood Blogger يشترط أن يكون شيفًا أو أستاذًا في فنون الطهي.

لكن إذا أراد أن يقدم نفسه باعتباره ناقدًا أو مراجعًا للطعام، فعليه أن يمتلك قدرًا حقيقيًا من المعرفة والخبرة.

ومن أهم المعايير التي يجب أن تتوافر فيه:

- معرفة أساسيات الطهي وطرق التسوية.
- القدرة على تقييم جودة المكونات وتوازن النكهات.
- فهم الفرق بين العيوب الفنية في الطبق وبين اختلاف الأذواق.
- القدرة على تقييم الخدمة وليس الطعام فقط.
- فهم أساسيات سلامة الغذاء والنظافة.
- مراعاة القيمة مقابل السعر.
- تقييم التجربة كاملة وليس طبقًا واحدًا فقط.
- الموضوعية والقدرة على ذكر الإيجابيات والسلبيات.
- عدم تضخيم الأخطاء من أجل المشاهدات.
- احترام العاملين وعدم إهانتهم أمام الكاميرا.
- الشفافية في الإعلان عن أي دعوة أو وجبة مجانية أو مقابل مادي أو علاقة إعلانية.
- والأهم: الاستقلالية والنزاهة.

فالـFood Blogger المهني يجب أن يسأل نفسه قبل أن يسأل المطعم:

هل أنا أراجع تجربة فعلية، أم أصنع محتوى؟

وهما شيئان مختلفان.

المشكلة ليست في الـFood Blogger.. وإنما في غياب المعايير

أنا لست ضد الـFood Bloggers.

بل على العكس، أرى أنهم أصبحوا جزءًا مهمًا من منظومة التسويق الحديثة للمطاعم.

لكن المشكلة أن السوق يحتاج إلى معايير واضحة.

فالـFood Blogger المحترم يمكن أن يكون شريكًا حقيقيًا للمطعم في تطوير تجربة العميل، بينما الـFood Blogger الذي يبحث عن المشاهدة بأي ثمن يمكن أن يحول تجربة فردية إلى أزمة تهدد سمعة مؤسسة كاملة.

والأبحاث حول مراجعات المطاعم على الإنترنت تؤكد أصلًا أن المستهلكين يعتمدون على هذه المراجعات في اتخاذ قراراتهم، وأن مشكلة المراجعات غير الموثوقة أو المتحيزة يمكن أن تؤثر في قرارات المستهلكين وفي الأعمال نفسها.

لذلك، فإن التأثير مسؤولية.

ومن يملك مئات الآلاف أو الملايين من المتابعين لا يملك مجرد منصة للتعبير، بل يملك قدرة حقيقية على التأثير في سمعة منشأة وفي أرزاق العاملين بها.

---

المطعم أيضًا عليه مسؤولية

وفي المقابل، لا يجوز أن نضع كل المسؤولية على الـFood Blogger.

إدارة المطعم مطالبة هي الأخرى بأن تكون أكثر احترافية.

يجب أن يكون لديها:

سياسة واضحة للتعامل مع البلوجرز، وسياسة واضحة للشكاوى، وتدريب حقيقي للمديرين والعاملين على إدارة المواقف الصعبة، ومتحدث أو مسؤول محدد للتعامل مع الأزمات، وسرعة في اتخاذ القرار دون انفعال.

كما يجب ألا يسمح المطعم بأن يصبح موظف الاستقبال أو مدير الصالة أو أي موظف آخر المتحدث الرسمي باسم المؤسسة أمام أزمة مشتعلة على السوشيال ميديا.

الأزمة تحتاج إلى عقل هادئ، لا إلى رد فعل غاضب.

لا تجعلوا السوشيال ميديا مديرًا للمطعم

هذه هي الرسالة الأهم التي أرى ضرورة أن تصل إلى قطاع المطاعم:

لا تديروا مطاعمكم وفقًا لترندات السوشيال ميديا.

اسمعوا للعميل.

احترموا الـFood Blogger.

اعترفوا بالخطأ عندما يكون هناك خطأ.

ودافعوا عن موظفيكم عندما يكونون على حق.

لكن لا تتخذوا قرارات مصيرية تحت ضغط آلاف التعليقات.

فالـTrend قد يستمر 48 ساعة.

لكن القرار الإداري الخاطئ قد يستمر أثره سنوات. 

كلمة أخيرة

نحن في حاجة إلى أن نعيد تعريف العلاقة بين المطعم والعميل والـFood Blogger.

العميل ليس عدوًا، والـFood Blogger ليس عدوًا، والمطعم ليس فوق النقد.

لكن في المقابل، النقد ليس تشهيرًا، والرأي ليس حكمًا نهائيًا، وعدد المتابعين ليس شهادة خبرة، والترند ليس محكمة.

وفي رأيي، يمكن اختصار المسألة كلها في جملة واحدة:

المتابعون يصنعون التأثير… لكن المعرفة والخبرة والنزاهة هي التي تصنع المصداقية.

وهنا تقع المسؤولية على الجميع:

العميل أن يشتكي باحترام، والـFood Blogger أن ينتقد بمهنية، والمطعم أن يدير أزماته بحكمة، والإدارة أن تحمي حق العميل وحق العامل وسمعة المؤسسة في الوقت نفسه.

ففي صناعة الضيافة، إدارة الأزمة ليست أن تنتصر على الطرف الآخر… وإنما أن تخرج من الأزمة بأقل خسائر، وتحافظ على ثقة العميل، وكرامة العامل، وسمعة المؤسسة.

بقلم الدكتور هشام وهبه، متخصص في إدارة المطاعم والضيافة.

تم نسخ الرابط