رئيس مجلس الإدارة
عمرو عامر
رئيس مجلس الإدارة
عمرو عامر

العيون التي هزمت الزمن، تقنية مصرية قديمة مازالت تبهر العلماء حتى الآن

العيون التي هزمت
العيون التي هزمت الزمن..تقنية مصرية قديمة مازالت تبهر العالم

رغم مرور آلاف السنين على نحتها، لا تزال العيون المطعمة في التماثيل المصرية القديمة تفرض حضورها بقوة، وتخطف انتباه زوار المتاحف قبل أي تفصيلة أخرى.

 فالنظرة الثابتة التي تبدو نابضة بالحياة ليست مجرد مهارة فنية، بل نتاج فلسفة حضارية آمنت بأن العين مرآة الروح، وأن التمثال لم يكن قطعة جامدة، بل وسيلة لاستمرار حضور صاحبه في العالم الآخر.

عيون لا ترى فقط.. كيف منح المصري القديم تماثيله نظرة تبدو حية حتى اليوم؟

وتُعد العيون المطعمة واحدة من أروع ابتكارات الفن المصري القديم، حيث نجح الحرفيون في صناعة عيون تحاكي العين البشرية بدرجة مذهلة من الواقعية، مستخدمين خامات طبيعية مثل الكوارتز، والأوبسيديان، والبلور الصخري، إلى جانب المعادن، ثم يجمعونها داخل تجاويف الوجه بدقة متناهية تمنح التمثال نظرة عميقة تبدو وكأنها تلاحق المشاهد من مختلف الزوايا.

ولم تكن هذه التقنية مجرد استعراض للبراعة الحرفية، بل ارتبطت ارتباطاً وثيقاً بالمعتقدات الدينية لدى المصريين القدماء، الذين رأوا أن التمثال يمكن أن يكون مقراً لروح المتوفى أو وسيلة لاستمرار وجوده الرمزي، ولذلك كان منح العين أكبر قدر من الواقعية أمراً أساسياً، باعتبارها رمزاً للحياة والإدراك واليقظة.

ويشير علماء الآثار إلى أن اختيار المواد لم يكن عشوائياً، فالبلور الصخري كان يمنح بريقاً يحاكي انعكاس الضوء داخل العين، بينما وفر الأوبسيديان لون البؤبؤ الداكن، وأسهم الكوارتز في إظهار بياض العين بصورة طبيعية، لتنتج في النهاية تركيبة بصرية متقنة سبق بها المصري القديم كثيراً من فنون النحت في الحضارات الأخرى.

وتكشف هذه التقنية عن مستوى متقدم من المعرفة بخصائص الأحجار والمعادن، إضافة إلى امتلاك الفنان المصري أدوات دقيقة مكنته من قطع الخامات وصقلها وتطعيمها دون أن تفقد توازنها أو جمالها، وهو إنجاز هندسي وفني لا يزال يثير إعجاب الباحثين حتى اليوم.

العيون المطعمة تمثل نموذجاً واضحاً لامتزاج الفن بالعقيدة في الحضارة المصرية

ويرى متخصصون أن العيون المطعمة تمثل نموذجاً واضحاً لامتزاج الفن بالعقيدة في الحضارة المصرية القديمة؛ فكل تفصيلة كانت تحمل معنى، وكل نظرة صُنعت لتبعث رسالة عن الخلود واستمرار الحياة بعد الموت، وهو ما يفسر قدرة هذه الأعمال على الاحتفاظ بجاذبيتها وتأثيرها النفسي حتى بعد آلاف السنين.

وتبقى العيون المطعمة شاهداً على أن المصري القديم لم يسع فقط إلى نحت الحجر، بل إلى منحه إحساساً بالحياة، في تجربة فنية استثنائية جعلت من نظرة التمثال لغة صامتة ما زالت تخاطب العالم حتى اليوم.

تم نسخ الرابط