ليس كل أثر يحقق الملايين، إناء كانوبي يباع بسعر أقل من المتوقع عالميا
رغم ما تحمله الآثار المصرية من قيمة تاريخية وحضارية استثنائية، فإن أسعارها في المزادات العالمية لا تسير دائمًا وفق التوقعات.
فبينما تحقق بعض القطع ملايين الدولارات، تباع أخرى بأسعار تقل عن تقديرات الخبراء، كما حدث مع إناء كانوبي مصري نادر يعود إلى الفترة ما بين 1550 و1425 قبل الميلاد، والذي بيع مقابل 17.640 دولارًا، رغم أن دار المزادات قدرت قيمته مسبقًا بما يتراوح بين 20 ألفًا و30 ألف دولار.

ويثير هذا الفارق تساؤلات حول طبيعة سوق المزادات العالمية، التي تتحكم فيها عوامل عديدة تتجاوز الأهمية التاريخية للقطعة، مثل حالة الحفظ، وندرة القطعة مقارنة بغيرها، واهتمام جامعي التحف بها، إضافة إلى المنافسة بين المشترين أثناء جلسة البيع.
ما هي الأواني الكانوبية؟

تعد الأواني الكانوبية من أشهر القطع المرتبطة بالحضارة المصرية القديمة، إذ لعبت دورًا محوريًا في طقوس التحنيط التي أتقنها المصريون القدماء للحفاظ على الجسد بعد الوفاة، إيمانًا منهم بالبعث والخلود.
وخلال عملية التحنيط، كان المحنطون يستخرجون بعض الأعضاء الداخلية من جسد المتوفى للحفاظ عليها بشكل منفصل، ثم توضع داخل مجموعة من الأواني الخاصة عُرفت باسم "الأواني الكانوبية"، والتي كانت تُصنع عادةً من الحجر الجيري أو الألباستر أو الفخار، وتُزين بنقوش ونصوص دينية تهدف إلى حماية المتوفى في رحلته إلى العالم الآخر.
أربعة أوانٍ.. وأربعة حراس

لم يكن الإناء الكانوبي قطعة منفردة، بل كان جزءًا من مجموعة تتكون من أربعة أوانٍ، يختص كل واحد منها بحفظ عضو محدد من أعضاء الجسد.
الإناء الأول لحفظ الكبد.
الثاني لحفظ الرئتين.
الثالث لحفظ المعدة.
الرابع لحفظ الأمعاء.

أما القلب، فلم يكن يُنزع من الجسد، إذ اعتقد المصريون القدماء أنه مركز العقل والضمير والروح، وأنه سيُوزن في محكمة أوزير خلال الحساب في العالم الآخر، لذلك ظل في مكانه داخل جسد المتوفى.
وكان لكل إناء غطاء يحمل رأس أحد أبناء الإله حورس الأربعة، الذين ارتبط كل منهم بحماية عضو معين، وهو ما يعكس الترابط الوثيق بين المعتقدات الدينية وفنون الدفن في مصر القديمة.
شاهد على براعة المصريين القدماء
لا تكمن أهمية الأواني الكانوبية في وظيفتها الجنائزية فقط، بل تعد أيضًا شاهدًا على التقدم الفني والديني الذي وصلت إليه الحضارة المصرية القديمة.
فقد أبدع المصريون في نحتها وتزيينها بالنقوش والرموز المقدسة، لتصبح اليوم من أكثر القطع الأثرية التي تستقطب اهتمام المتاحف وجامعي الآثار حول العالم.

وتوفر هذه الأواني معلومات مهمة لعلماء المصريات حول أساليب التحنيط، والطقوس الجنائزية، وتطور العقائد الدينية عبر العصور، كما تساعد في تحديد الفترة الزمنية التي تنتمي إليها المقابر التي عُثر عليها بداخلها.
لماذا تباع بعض القطع بأقل من قيمتها التقديرية؟
يشير خبراء سوق المزادات إلى أن السعر التقديري الذي يُعلن قبل البيع لا يمثل قيمة ثابتة، وإنما هو توقع مبني على دراسة السوق والقطع المشابهة.
وقد ينخفض السعر النهائي إذا كان الإقبال محدودًا، أو إذا لم تشهد القطعة منافسة قوية بين المشترين، بينما قد تتجاوز بعض القطع تقديراتها بأضعاف إذا حظيت باهتمام كبير.
ورغم أن الإناء الكانوبي بيع بأقل من تقديراته الأولية، فإنه يظل قطعة أثرية تحمل قيمة حضارية لا تُقاس بثمن، إذ يمثل جزءًا من إرث حضارة استطاعت أن تبهر العالم بعلومها وفنونها وعقائدها، ولا تزال آثارها بعد آلاف السنين تثير اهتمام الباحثين والمتاحف ودور المزادات في مختلف أنحاء العالم.





