قبل السجلات الكلاسيكية بقرون، كيف وثق المصريون القدماء أول ذكر لـ إسرائيل ؟
حين يبحث المؤرخون عن أقدم إشارة موثقة لاسم إسرائيل خارج النصوص التوراتية، فإنهم لا يتجهون إلى المخطوطات الدينية أو الروايات الشفوية، بل إلى قطعة من الجرانيت الأسود نُقشت في مصر القديمة قبل أكثر من ثلاثة آلاف عام، لتصبح واحدة من أهم الوثائق الأثرية في تاريخ الشرق الأدنى القديم.
وتُعد لوحة مرنبتاح، المعروفة أيضًا باسم لوحة انتصار مرنبتاح، أول وثيقة تاريخية معروفة تذكر اسم إسرائيل خارج الكتاب المقدس، وهو ما منحها مكانة استثنائية في الدراسات الأثرية والتاريخية.
سجل انتصارات فرعوني
أقيمت اللوحة في عهد الفرعون مرنبتاح، الذي حكم مصر بين عامي 1213 و1203 قبل الميلاد، وهي عبارة عن نصب تذكاري من الجرانيت يبلغ ارتفاعه أكثر من ثلاثة أمتار، خُصص في الأساس لتسجيل انتصاراته العسكرية، خاصة على الليبيين وحلفائهم.

لكن القيمة التاريخية الحقيقية للوحة لا تكمن في حديثها عن المعارك الليبية، بل في الأسطر الأخيرة منها، التي تصف حملة عسكرية مصرية في أرض كنعان، التي كانت آنذاك ضمن نطاق النفوذ المصري.
اول ظهور لاسم إسرائيل
في ختام النص المنقوش، يرد اسم «إسرائيل» ضمن قائمة الشعوب أو الكيانات التي واجهها الجيش المصري.
ورغم اختلاف الترجمات الدقيقة لبعض الكلمات المصرية القديمة، فإن علماء المصريات يكادون يجمعون على أن الاسم المنقوش يشير بالفعل إلى إسرائيل، ليصبح بذلك أقدم ذكر معروف لها في مصدر تاريخي مستقل عن الروايات التوراتية.
شعب.. لا مدينة ولا دولة
ومن أكثر ما يلفت اهتمام الباحثين أن طريقة كتابة اسم إسرائيل بالهيروغليفية تختلف عن طريقة كتابة أسماء المدن أو الممالك المجاورة.
فقد استخدم الكاتب المصري العلامة الدالة على شعب أو جماعة بشرية، وليس العلامة الخاصة بالمدن أو الدول، وهو ما دفع كثيرًا من علماء الآثار إلى الاعتقاد بأن إسرائيل في ذلك الوقت لم تكن دولة منظمة أو مدينة محصنة، وإنما جماعة سكانية أو قبائل تعيش في منطقة كنعان.
شاهد أثري لا يزال يحسم النقاش
وتحظى لوحة مرنبتاح بأهمية كبيرة في الأوساط الأكاديمية لأنها تمثل دليلًا أثريًا معاصرًا للأحداث، بعيدًا عن الروايات اللاحقة، ولذلك تُعد نقطة انطلاق رئيسية في دراسة تاريخ جنوب بلاد الشام خلال أواخر العصر البرونزي.
ورغم استمرار الجدل حول طبيعة الجماعة التي أشار إليها النقش، فإن وجود الاسم نفسه على اللوحة يُعد حقيقة أثرية ثابتة، جعلت من هذا الحجر المصري المرجع الأول لتوثيق اسم إسرائيل في السجل التاريخي.
تاريخ ينقش في الحجر
على مدار أكثر من ثلاثة آلاف عام، بقيت لوحة مرنبتاح شاهد صامت على مرحلة مفصلية من تاريخ المنطقة، مؤكدة أن الحضارة المصرية القديمة لم تترك آثارًا معمارية فحسب، بل وثّقت أيضًا أحداثًا وشعوبًا أصبحت لاحقًا محورًا لدراسات تاريخية ودينية لا تزال مستمرة حتى اليوم.

وبينما قد تختلف تفسيرات المؤرخين حول تفاصيل النص، يبقى أمر واحد محل اتفاق واسع: أقدم ذكر معروف لاسم “إسرائيل” خارج النصوص التوراتية جاء من مصر، محفور على حجر فرعوني، في وثيقة لا تزال حتى اليوم واحدة من أهم الشواهد الأثرية في تاريخ الشرق الأدنى القديم.





