سر حير زوار المتاحف، لماذا رسم المصري القديم العين من الأمام؟
من أكثر الأسئلة التي يطرحها زوار المتاحف عند تأمل النقوش والرسوم المصرية القديمة: لماذا تبدو الشخصيات مرسومة بطريقة غير مألوفة؟ فالرأس يظهر من الجانب، بينما ترسم العين مواجهة للمشاهد، ويأتي الصدر من الأمام، في حين تبدو الساقان والقدمان في وضع جانبي.
وللوهلة الأولى، قد يعتقد البعض أن الفنان المصري القديم لم يكن قادر على الرسم الواقعي أو لم يتقن قواعد المنظور، إلا أن الحقيقة مختلفة تمامًا. فقد كان هذا الأسلوب اختيار فني واعي اتبعه الفنانون المصريون القدماء على مدى آلاف السنين، ضمن نظام بصري دقيق تحكمه قواعد ثابتة.

الرأس من الجانب والعين من الأمام..."سر المنظور المركب" في الفن الفرعوني
اعتمد الفنان المصري القديم على مبدأ إظهار كل جزء من الجسم من الزاوية التي تكشف أكبر قدر من تفاصيله. فالعين رسمت من الأمام لإظهار شكلها الكامل، بينما جاء الرأس في وضع جانبي لإبراز الأنف والفم وتحديد ملامح الوجه بوضوح، في حين صوره الصدر من الأمام لإظهار الكتفين معًا، أما الساقان فقد رسمت من الجانب لإبراز حركة الجسم واتجاهه.
ويطلق الباحثون المعاصرون على هذا الأسلوب اسم “المنظور المركب” أو Composite View، وهو أحد أهم السمات المميزة للفن المصري القديم. ولم يكن الهدف منه محاكاة ما تراه العين البشرية في لحظة معينة، بل تقديم صورة مثالية ومتكاملة للشخص المرسوم، سواء كان إنسان عادي أو ملك أو إله.

الالتزام بالقواعد الفنية الموروثة
كما ارتبط هذا الأسلوب بالمعتقدات الدينية المصرية القديمة، إذ كان تصوير الجسد بصورة كاملة وواضحة يعد أمر ضروري لضمان استمرار وجود صاحبه في العالم الآخر، لذلك حرص الفنانون على الالتزام بالقواعد الفنية الموروثة جيلاً بعد جيل.
وهكذا، فإن ما قد يبدو للعين الحديثة بعيد عن الواقعية، لم يكن في نظر المصري القديم خطأ أو نقص في المهارة، بل كان جزءًا من لغة فنية متكاملة نجحت في الحفاظ على هويتها لأكثر من ثلاثة آلاف عام، لتظل واحدة من أكثر الخصائص تميز وإثارة للإعجاب في تاريخ الفن العالمي.





