رئيس مجلس الإدارة
عمرو عامر
رئيس مجلس الإدارة
عمرو عامر

مراكب خوفو أول أثر عائم أبحر من التاريخ إلى المستقبل

مراكب خوفو
مراكب خوفو

بينما كان الهرم الأكبر يرتفع في السماء ليكون جسراً للملك خوفو نحو الأبدية، كانت هناك "أعجوبة هندسية" أخرى تُدفن في باطن الأرض عند قاعدة الهرم الجنوبية، لتكون وسيلته للإبحار في رحلته الأخروية. 

إنها مراكب الملك خوفو (المعروفة بـ"مراكب الشمس")، والتي لا تمثل فقط أقدم وأكبر السفن الخشبية المكتشفة في تاريخ البشرية، بل تعد شاهداً حياً على عبقرية الهندسة البحرية المصرية القديمة التي سبقت عصرها بآلاف السنين

الاكتشاف: صدفة غيرت مجرى التاريخ الأثري،في عام 1954، وأثناء إزالة التلال الرملية المحيطة بالجهة الجنوبية للهرم الأكبر لتنظيف المنطقة، تعثر عالم الآثار المصري والمهندس كمال الملاخ في جدار من الحجر الجيري. قاد هذا الجدار إلى الكشف عن حفرتين مغطيتين بكتل ضخمة من الحجر الجيري، تزن الواحدة منها نحو 18 طناً.

حين اخترق الملاخ إحدى هذه الكتل ونظر إلى الداخل

استنشق عبير خشب الأرز اللبناني الذي ظل محبوساً لأكثر من 4500 عام، ليرى 

أول "أثر عائم" من الدولة القديمة:

 سفينة ملكية مفككة بعناية فائقة إلى 1224 قطعة، وموضوعة بترتيب هندسي صارم، ومعها الحبال والمجاديف الخاصة بها.

العبقرية الهندسية

سفينة بلا مسمار واحد،استغرق ترميم وإعادة تجميع المركب الأول (المركب الشهير) نحو 20 عاماً من العمل المضني، وهي العملية التي قادها المرمم المصري الفذ أحمد يوسف، الذي نجح في تجميع المركب دون استخدام مسمار معدني واحد، تماماً كما فعل أجداده الفراعنة.

طريقة التعشيق والحبال

 تم تصنيع السفينة من خشب الأرز اللبناني، واستخدم الفراعنة تقنية عبقرية تعتمد على حفر "ثقوب مغلقة" في الخشب، لتمرير حبال مصنوعة من نبات الحلفا والقنب. 

وعند نزول المركب إلى الماء، كانت الأخشاب تتمدد والحبال تضيق، مما يجعل السفينة محكمة تماماً ويمنع تسرب المياه إليها، ويبلغ طول المركب الأول حوالي 43.4 متراً، وعرضه 5.9 متراً، وله غاطس بسيط، ومزود بـ12 مجدافاً ومقصورة ملكية مغطاة في وسط السفينة.

المركب الثاني: فك الشفرة بالتعاون الدولي بيينما ظل المركب الأول معروضاً لسنوات طويلة في متحفه الخاص بجوار الهرم، بقيت الحفرة الثانية مغلقة حتى بدأت بعثة مشتركة (مصرية - يابانية) من جامعة واسيدا فحصها وتنظيفها.

 وفي عام 2021، تم الانتهاء من استخراج جميع القطع الخشبية للمركب الثاني، ونقلها إلى معامل الترميم الحديثة بـالمتحف المصري الكبير، لتخضع لأحدث تقنيات الحفظ والترميم بالليزر وتقنيات النانو، تمهيداً لعرضها مستقبلاً.

اللغز العقائدي: هل أبحرت المراكب في النيل؟

تأرجح نظريات علماء الآثار حول الوظيفة الفعلية لهذه المراكب:

الرحلة الجنائزية الواقعية:

 يرى فريق من الباحثين أن المركب الأول استخدمه الملك خوفو بالفعل، أو استُخدم لنقل جثمانه الملكي من العاصمة "منف" إلى مقبرته في الجيزة، مستندين إلى وجود آثار احتكاك للحبال على الأخشاب.

المركب الرمزي (الطقسي): 

يرى فريق آخر أنها "مراكب شمس" ذات وظيفة عقائدية، وُضعت بجوار الهرم ليستخدمها الملك المتوفى في رحلته اليومية مع إله الشمس "رع"، خلال رحلة النهار ورحلة الليل عبر السماء.

النقل التاريخي: رحلة الـ48 ساعة إلى المستقر الأخير

في أغسطس 2021، شهد العالم حدثاً استثنائياً لا يقل إبهاراً عن نقل المومياوات الملكية، حيث تم نقل مركب خوفو الأول من موقعه القديم خلف الهرم إلى مقره الدائم داخل المتحف المصري الكبير.

وجرى النقل باستخدام عربة ذكية متطورة ومتحكم بها عن بُعد، جرى استيرادها خصيصاً من بلجيكا لحماية المركب من أي اهتزازات.

 واستغرقت عملية النقل نحو 10 ساعات لقطع مسافة بضعة كيلومترات، وسط إجراءات تأمين دقيقة ووفق أعلى معايير الحفاظ الأثري، ليصبح المركب اليوم إحدى أبرز أيقونات العرض بالمتحف، شاهداً على براعة المصري القديم في السيطرة على الأرض... والبحار.

تم نسخ الرابط