رئيس مجلس الإدارة
عمرو عامر
رئيس مجلس الإدارة
عمرو عامر

خوفو يهزم الزلازل عبر التاريخ.. المؤرخون: الهرم يثبت عبقرية المصري القديم

اثناء البحث
اثناء البحث

في قلب هضبة الجيزة.. يواصل الهرم الأكبر وقوفه شامخا منذ آلاف السنين متحديا الزمن وتقلبات الطبيعة وكأنه رسالة حجرية خالدة من حضارة سبقت عصرها بقرون طويلة.. أجيال متعاقبة من العلماء والمهندسين والمؤرخين وقفوا أمام هذا البناء المهيب محاولين فك أسراره.. لكن دراسة علمية مصرية حديثة أعادت طرح سؤال جديد ومثير: هل كان الهرم الأكبر مجرد مقبرة ملكية، أم أنه تحفة هندسية صممت أيضا لمقاومة الزلازل؟

الدراسة التي نشرت في مجلة Scientific Reports التابعة لدورية  Nature أعدها فريق بحثي مصري من المعهد القومي للبحوث الفلكية والجيوفيزيقية بقيادة الدكتور محمد الجابري وكشفت نتائج اعتبرها باحثون ومؤرخون دليلا جديدا على عبقرية المصري القديم في فهم خصائص الأرض والهندسة المعمارية بشكل يفوق التصورات التقليدية.

عبقرية المصري القديم

المؤرخ بسام الشماع أكد أن الدراسة أعادت التأكيد على عبقرية المهندس المصري القديم وأن تصميم الهرم الضخم الذي يتكون من نحو 2.3 مليون حجر ويزن قرابة 6.5 مليون طن تم بطريقة تضمن ثباته فوق طبقة صخرية مستقرة دون الحاجة إلى أساسات خرسانية عميقة كما هو متبع في العصر الحديث.

وقال أن العلماء اعتمدو على تقنية علمية متطورة تعرف باسم HVSR تستخدم أجهزة حساسة للغاية تسمى “السيزمومترات” لقياس الاهتزازات الطبيعية للأرض والمباني وتم توزيع الأجهزة في 37 نقطة داخل الهرم الأكبر وحوله شملت غرفة الملك وغرفة الملكة والممرات الداخلية والغرف العلوية إضافة إلى الصخور والتربة المحيطة بالبناء.

النتائج أظهرت أن الهرم الأكبر لا يهتز بنفس تردد الصخور الموجودة أسفله، وهي نقطة بالغة الأهمية في علم الزلازل ففي الفيزياء، تؤدي ظاهرة “الرنين” إلى تضاعف الاهتزازات بصورة خطيرة إذا توافقت ترددات المبنى مع ترددات الأرض، ما قد يتسبب في انهياره لكن الباحثين اكتشفوا أن تصميم الهرم يتجنب هذه الظاهرة بشكل مذهل، حيث يتحرك جسم الهرم بتردد مختلف تمامًا عن التربة المحيطة به، وهو ما يساعده على امتصاص الطاقة الزلزالية وتقليل تأثيرها.

توزيع الأحمال 

وأضاف أن الدراسة تناولت أيضا طريقة توزيع الأحمال داخل الهرم والفراغات والممرات الداخلية والغرف الخمسة الموجودة فوق غرفة الملك والتي كان يعتقد سابقا أنها بنيت فقط لتخفيف الضغط عن سقف الغرفة إلا أن القياسات الحديثة أظهرت أن هذه الغرف تؤدي دورا إضافيا مهما يتمثل في تقليل تضخيم الاهتزازات داخل البناء وهو ما يشبه أنظمة المخمدات الزلزالية المستخدمة حاليا في ناطحات السحاب الحديثة.

وأشار الشماع إلى أن الدراسة حظيت باهتمام عالمي واسع، خاصة بعد تقرير نشرته وكالة رويترز، أوضح أن العلماء استخدموا أجهزة قياس الزلازل لتحليل الديناميكيات الهيكلية للهرم، وأن النتائج كشفت استجابة مستقرة للاهتزازات ساعدته على الصمود أمام زلازل دمّرت مباني أخرى عبر التاريخ.

كما أوضحت الدراسة أن عدة عوامل هندسية ساهمت في هذه المتانة الاستثنائية، أبرزها القاعدة العريضة للهرم، وانخفاض مركز ثقله، والتناسق الهندسي الدقيق، إضافة إلى التدرج في الكتلة كلما ارتفع البناء نحو القمة، فضلًا عن تشييده فوق طبقة قوية من الحجر الجيري الصلب.

وتطرقت الدراسة كذلك إلى واحدة من أكثر النظريات إثارة، وهي أن الهرم الأكبر لا يتكون هندسيًا من أربعة أوجه فقط كما يبدو ظاهريًا، بل من ثمانية أوجه مقعّرة بدرجة طفيفة، وهي ملاحظة رصدها علماء آثار منذ عقود، وتساعد بحسب بعض الباحثين في تعزيز ثبات الهرم وتوزيع الأحمال بصورة أكثر كفاءة.

الاختبارات والتجارب الدقيقة

تشير نتائج الدراسة إلى أنها مرت بسلسلة من الاختبارات والتجارب الدقيقة للتأكد من موثوقيتها، حيث تناولت بالتحليل السلوك الإنشائي لمنطقة أهرامات الجيزة في مواجهة النشاط الزلزالي عبر العصور، موضحا أن منطقة الأهرامات تعرضت لعدد من الزلازل التي وقعت ضمن دائرة نصف قطرها نحو 80 كيلومترًا، دون أن يُسجَّل أي ضرر جسيم بالهيكل الرئيسي لهرم خوفو على مدار ما يقرب من 4600 عام.

كما لفتت الدراسة إلى أن أقوى زلزال موثق أثّر على المنطقة كان في 7 أغسطس 1847، وبلغت قوته نحو 6.8 درجة على مقياس ريختر، ومع ذلك ظل الهرم الأكبر محتفظًا بسلامته البنيوية واستقراره الإنشائي بصورة لافتة.

وفي سياق متصل، رصدت السجلات التاريخية أبرز الزلازل التي شهدتها مصر خلال القرون الأخيرة، حيث وقع زلزال عام 1903 مخلّفًا نحو 10 آلاف ضحية، وكان دافعًا لإنشاء مرصد حلوان للزلازل لمتابعة النشاط الزلزالي في البلاد بشكل علمي ومنظم. وفي عام 1969، شعر سكان مصر بالكامل بهزة أرضية تسببت في حدوث تشققات محدودة ببعض المناطق.

أما زلزال 1992، فقد بلغت قوته 5.8 درجة على مقياس ريختر، ووقع على بُعد نحو 20 ميلاً جنوب غرب القاهرة، متسببًا في أضرار جسيمة طالت أكثر من 129 ألف مبنى بين تدمير كلي وجزئي. كما يُعد زلزال 1995 من أقوى الزلازل في العصر الحديث، إلا أن وقوع مركزه في منطقة البحر الأحمر ساهم في تقليل حجم الخسائر البشرية بشكل ملحوظ.

ووصف بسام الشماع الحضارة المصرية بأنها “مجرة من الأسرار التي لم نكتشف منها سوى القليل”، مؤكدا أن كل دراسة جديدة عن الأهرامات تكشف جانبا إضافيا من عبقرية المصريين القدماء، الذين استطاعوا تشييد بناء ظل صامدًا لأكثر من 4600 عام، بينما انهارت حوله حضارات ومدن كاملة.

 

تم نسخ الرابط