رئيس مجلس الإدارة
عمرو عامر
رئيس مجلس الإدارة
عمرو عامر

«تل أبو صيفي»يكشف أسرارًا جديدة..عتب رمسيس الثاني يعيد رسم خريطة طريق حورس

موقع تل أبو صيفي
موقع تل أبو صيفي بالقنطرة

نجحت البعثة الأثرية المصرية العاملة في موقع تل أبو صيفي بالقنطرة شرق في الوصول إلى مجموعة من النتائج التي تقدم قراءة جديدة لتاريخ الموقع وتطوره، وتدعم فرضية ارتباطه بمدينة «مسن» المصرية القديمة المفقودة.

ويأتي الكشف في إطار أعمال وزارة السياحة والآثار والمجلس الأعلى للآثار لتوثيق المواقع الأثرية الواقعة على الحدود الشرقية لمصر، وإعادة رسم ملامح طريق حورس الحربي، أحد أهم الطرق التي ارتبطت بالحركة العسكرية والتجارية بين مصر وشرق البلاد.

موقع على طريق الجيوش والقوافل

May be an image of text

لم تكن منطقة القنطرة وسيناء مجرد مساحة جغرافية تفصل مصر عن الشرق، وإنما كانت عبر العصور بوابة استراتيجية تحركت عبرها الجيوش والقوافل والمسافرون.

ومن هنا تكتسب نتائج الحفائر في تل أبو صيفي أهمية خاصة، فالموقع يكشف عن طبقات متعاقبة من الاستخدام، تجمع بين الوظيفة العسكرية والدينية والاقتصادية.

وقال شريف فتحي، وزير السياحة والآثار، إن النتائج تمثل إضافة مهمة إلى جهود الكشف عن تاريخ المواقع الأثرية في شمال سيناء ومنطقة القنطرة، مؤكدًا أهمية المنطقة في حماية الحدود الشرقية لمصر عبر العصور.

سور ضخم يعيد قراءة الموقع

ومن أبرز النتائج التي توصلت إليها البعثة استكمال الكشف عن سور ضخم من الطوب اللبن، يضم بوابات وغرفًا داخلية وطبقات إنشائية متعددة.

لكن الدراسة الأثرية الجديدة قدمت تفسيرًا مختلفًا عن القراءة السابقة؛ إذ تبين أن هذا السور يمثل السور الخارجي للحرم المحيط بالمعبد وليس المعبد نفسه.

وتساعد هذه النتيجة في إعادة تصور التخطيط الأصلي للموقع وفهم العلاقة بين عناصره المعمارية المختلفة.

هل عُثر على مدينة «مسن» المفقودة؟

No photo description available.

هنا تظهر واحدة من أهم ألغاز الكشف.فالأدلة الجديدة تدعم فرضية ارتباط تل أبو صيفي بمدينة «مسن»، وهي مدينة مصرية قديمة ورد ذكرها في النصوص والمصادر خلال عصر الدولة الحديثة.

لكن علماء الآثار يتعاملون مع هذه الفرضية بحذر؛ إذ لا تزال الحفائر والدراسات مستمرة، ولم تُحسم هوية الموقع بصورة نهائية.

ويبقى العثور على المزيد من النقوش والعناصر المعمارية والأدلة المرتبطة بالموقع هو المفتاح للوصول إلى إجابة أكثر حسمًا.

طريقان حجريان داخل الموقع

وكشفت البعثة أيضًا عن بقايا طريقين حجريين متعاقبين كانا يؤديان من خارج منطقة التحصين إلى داخل المعبد.

الطريق الأول يعود إلى العصر البطلمي، بينما أُقيم فوقه طريق روماني أقل اتساعًا.

وتكشف هذه الطبقات عن استمرار أهمية الموقع وإعادة استخدامه وتطويره في فترات تاريخية مختلفة.

معبد حورس.. غرف وقدس أقداس

May be an image of Stone Henge

كما أسفرت أعمال التنقيب عن أجزاء من المعبد، من بينها غرف تخزينية متتابعة في الناحية الشمالية، وغرف خدمية أكثر اتساعًا في الناحية الجنوبية.

وتقود هذه العناصر إلى منطقة قدس الأقداس، التي تعرضت لاحقًا للهدم نتيجة أعمال التحجير التي شهدها الموقع في أواخر العصر الروماني.

وتكشف هذه التفاصيل عن تخطيط معماري متكامل لمعبد ارتبط بعبادة حورس سيد مدينة مسن.

عتب من عصر رمسيس الثاني يحمل دليلًا مهمًا

ومن أكثر القطع أهمية في الكشف العثور على نصف عتب علوي ضخم من الحجر الرملي، مكسور إلى جزأين ومنقوش من ثلاث جهات.

ويحمل العتب ألقاب الملك رمسيس الثاني، إلى جانب نص يشير إلى أعمال ترميم نُفذت لتمثال المعبود «حورس سيد مدينة مسن».

وتكمن أهمية هذه القطعة في أنها تقدم دليلًا مباشرًا يمكن الاستفادة منه في دراسة هوية الموقع وعلاقته بمدينة مسن.

فذكر اسم المعبود المرتبط بالمدينة على قطعة أثرية داخل الموقع يضيف قرينة مهمة إلى الفرضية التي تدرسها البعثة حاليًا.

تماثيل تكشف الطابع العسكري

May be an image of Stone Henge and text

لم تقتصر المكتشفات على العناصر المعمارية، فقد عثرت البعثة على مجموعة من اللقى التي تحمل دلالات إدارية وعسكرية.ومن بينها جزء من تمثال من حجر الشست يعود إلى عصر الأسرة السادسة والعشرين، يصور كاتبًا في الجيش ويحمل ناووسًا مكسورًا.

كما عُثر على تمثال فاقد الرأس والقدمين من العصر المتأخر، وجذع تمثال ملكي مصنوع من البازلت، بالإضافة إلى أجزاء من تماثيل صقور من البازلت والحجر الجيري.

وتشير هذه المكتشفات إلى المكانة الاستراتيجية التي احتلها الموقع، إلى جانب دوره الديني.

من معبد إلى ثكنة عسكرية

تكشف طبقات الموقع أن وظيفته لم تكن ثابتة على مدار تاريخه.

فقد شهد المعبد ازدهارًا معماريًا كبيرًا خلال العصر البطلمي، قبل أن يعاد استخدام أجزاء من الموقع في إنشاء ثكنات عسكرية رومانية عُرفت باسم Castrum خلال القرن الثالث الميلادي.

وهذا التحول من مركز ديني إلى منشأة عسكرية يعكس طبيعة المنطقة الحدودية، التي احتاجت إلى تحصينات ومنشآت دفاعية لحماية الطريق والحدود الشرقية.

نهاية مختلفة.. الموقع يتحول إلى محجر

وفي أواخر العصر الروماني، شهد الموقع تحولًا جديدًا عندما أصبح محجرًا لإنتاج الجير.

وكشفت الحفائر عن فرنين دائريين ضخمين أقيما فوق ركني منطقة قدس الأقداس، واحتويا على بقايا أحجار جيرية تعرضت للحرق.

وهكذا تحولت المنطقة التي كانت تضم معبدًا ومقدسات دينية إلى موقع إنتاج صناعي، في صورة تكشف تغير وظيفة المكان مع تغير الظروف السياسية والاقتصادية.

تل أبو صيفي.. صفحات متعددة من تاريخ سيناء

No photo description available.

تكشف نتائج الموسم الحالي أن تل أبو صيفي لم يكن موقعًا ذا وظيفة واحدة، بل مر بمراحل متتالية من الاستخدام.معبد ديني، مركز على طريق حورس، منشأة عسكرية، ثم موقع لإنتاج الجير؛ أربع صور مختلفة لموقع واحد تعكس التحولات التي شهدتها سيناء عبر قرون طويلة.

وتزداد أهمية الموقع مع احتمال ارتباطه بمدينة مسن القديمة، خاصة مع العثور على العتب الذي يحمل اسم رمسيس الثاني والإشارة إلى حورس سيد مسن.

البحث عن المدينة المفقودة مستمر

ورغم أهمية الأدلة المكتشفة، لا تزال البعثة تتعامل مع تحديد موقع مدينة مسن باعتباره فرضية قيد البحث والدراسة.ومن المنتظر أن تستمر أعمال الحفائر خلال المواسم المقبلة للكشف عن المزيد من العناصر المعمارية والنقوش واللقى الأثرية، والتي قد تساعد في حسم هوية الموقع.

وبين بقايا سور ضخم، وطرق حجرية، وعتب يحمل اسم رمسيس الثاني، وآثار معبد حورس، تبدو تل أبو صيفي وكأنها تعيد كتابة جزء من تاريخ الحدود الشرقية لمصر.

فالموقع لا يكشف فقط عن معبد قديم، وإنما يروي قصة منطقة ظلت لآلاف السنين نقطة التقاء بين الدين والجيش والتجارة والسياسة، ويقدم فصلًا جديدًا في البحث عن إحدى المدن المصرية القديمة التي ربما ظلت هويتها مختبئة تحت طبقات التاريخ.

 

تم نسخ الرابط