جواز سفر ورحلة إلى فرنسا.. الحكاية الكاملة لإنقاذ مومياء رمسيس الثاني
تعد مومياء الملك رمسيس الثاني واحدة من أشهر المومياوات الملكية في العالم، ليس فقط بسبب المكانة التاريخية لصاحبها، بل أيضًا بسبب الرحلة الاستثنائية التي خاضتها في القرن العشرين للحفاظ عليها من التلف، في واحدة من أبرز عمليات إنقاذ الآثار المصرية.
فبعد أكثر من ثلاثة آلاف عام على وفاة الملك الذي حكم مصر لنحو 66 عامًا، واجهت مومياؤه خطرًا حقيقيًا كاد أن يهدد بقاءها، قبل أن تتدخل التكنولوجيا الحديثة لتنقذها وتكشف في الوقت نفسه أسرارًا جديدة عن حياة الفرعون الأشهر.
هجوم الفطريات يهدد مومياء الملك
في أوائل سبعينيات القرن الماضي، لاحظ خبراء الآثار ظهور إصابات فطرية وميكروبية على مومياء رمسيس الثاني، بدأت تؤثر في الأنسجة واللفائف، ما أثار مخاوف من تعرضها لتلف تدريجي إذا لم يتم التدخل سريعًا.
وأمام خطورة الوضع، قررت السلطات المصرية الاستعانة بخبرات دولية متخصصة للحفاظ على المومياء، في خطوة غير مسبوقة آنذاك.
رحلة تاريخية إلى فرنسا
في عام 1976، نُقلت مومياء رمسيس الثاني إلى فرنسا لإجراء عمليات تعقيم وترميم دقيقة باستخدام أحدث التقنيات العلمية المتاحة.
وأصبحت الرحلة حدثًا تاريخيًا، بعدما استُخرج للمومياء جواز سفر مصري حمل اسم الملك، ووُصفت مهنته بـ"ملك (متوفى)"، في واقعة تُعد من أشهر القصص المرتبطة بالتراث المصري.
وعند وصولها إلى باريس، استقبلت السلطات الفرنسية المومياء بمراسم رسمية، تقديرًا للمكانة التاريخية لرمسيس الثاني باعتباره أحد أعظم ملوك مصر القديمة.
العلم يكشف أسرار صحة الفرعون
لم تقتصر المهمة على إنقاذ المومياء من الفطريات، بل استغل العلماء الفرصة لإجراء فحوص دقيقة بالأشعة والتحاليل المعملية، كشفت معلومات جديدة عن الحالة الصحية للملك.
وأظهرت الدراسات أن رمسيس الثاني كان يعاني في سنواته الأخيرة من التهابات حادة في المفاصل، ومشكلات في العمود الفقري، إلى جانب تآكل واضح في الأسنان ووجود خراجات، وهي أمراض ارتبطت بتقدمه في العمر، إذ يُعتقد أنه توفي وهو في نحو التسعين من عمره، وهو عمر استثنائي في ذلك الزمن.
كما ساعدت الدراسات في التعرف على طبيعة شعره، الذي احتفظ بلونه المائل إلى الحمرة، إضافة إلى تأكيد عدد من التفاصيل المتعلقة ببنيته الجسدية وصحته العامة.
عودة المومياء إلى مصر
بعد انتهاء أعمال الترميم والتعقيم، عادت مومياء رمسيس الثاني إلى مصر في حالة حفظ أفضل، واستمرت رحلتها داخل المتاحف المصرية حتى استقرت في المتحف القومي للحضارة المصرية، حيث تُعرض اليوم ضمن قاعة المومياوات الملكية في بيئة تعتمد أحدث معايير الحفظ العالمية من حيث درجات الحرارة والرطوبة والإضاءة.
رمسيس الثاني.. أيقونة خالدة للحضارة المصرية
يُعد رمسيس الثاني، الذي حكم مصر خلال الأسرة التاسعة عشرة، واحدًا من أعظم ملوك الدولة الحديثة، واشتهر بمشروعاته المعمارية الضخمة، وعلى رأسها معبدا أبو سمبل، والرامسيوم، والتوسعات الكبرى في معابد الكرنك والأقصر، إلى جانب قيادته لمعركة قادش الشهيرة.
ولم تقتصر شهرته على إنجازاته في حياته، بل امتدت بعد وفاته، لتصبح مومياؤه واحدة من أكثر المومياوات دراسة في العالم، وأسهمت في تطوير أساليب الحفاظ على التراث الإنساني.
العلم يحفظ التاريخ للأجيال
تمثل قصة إنقاذ مومياء رمسيس الثاني نموذجًا فريدًا للتكامل بين علم الآثار والتكنولوجيا الحديثة، حيث لم يقتصر دور العلماء على حماية المومياء من التلف، بل نجحوا في استخراج معلومات تاريخية وطبية لم يكن الوصول إليها ممكنًا في السابق. وبعد أكثر من ثلاثة آلاف عام على وفاة الملك، لا تزال مومياؤه تروي تفاصيل جديدة عن حياته، لتؤكد أن الحضارة المصرية القديمة ما زالت تحتفظ بأسرار قادرة على إبهار العالم.