المزيفون يستخدمون التكنولوجيا الحديثة
مفاجأة، تزييف الآثار حدث في مصر القديمة وخبير: كشفه يحتاج لمهارة كبيرة
من حين لآخر تخرج علينا أخبار من نوعية أن أحد المتاحف العالمية اكتشف ان من بين الآثار المعروضة فيه مزيفة وغير أصلية،اي أنه لم يكتشف خبراء هذا المتحف حقيقة التمثال أو الأثر من فرط براعة تقليده أو لنقل تزويره وتزييفه بدقة متناهية، حيث بات وراء الأمر مزيفون محترفين برعوا في تزييف مختلف أنواع المقتنيات الأثرية والأعمال الفنية، واستعانوا بتقنيات حديثة وأساليب متطورة لإحداث مظاهر مصطنعة للتقادم على القطع المقلدة؛ حتى يصعب التفرقة بينها وبين مظاهر التقادم الطبيعي على القطع الأصلية, وأصبح من المتعذر التفرقة بين ما هو أصلي وما هو مزيف ما لم يخضع للفحص والتحليل والدراسة.
من هنا تأتي الحاجة الملحة إلى وجود خبراء متخصصين بعلم بأصول وقواعد كشف تزوير الآثار والأعمال الفنية، ورغم ذلك تبقي أصالة الآثار وتفردها أحد العوامل القوية في مواجهة التزييف،وهو ما ينطبق بقوة علي الآثار المصرية التي تمتلك تفردا وتميزا بلا شبيه، وقيمتها التي لا تقدر بمال جعلتها مطمعا لكثير من المزورين والمزيفين، وفي سبيل ذلك تمتلك مصر خبرات كثيرة خاصة البشرية في مجال مواجهة تزييف الآثار، وهو ما أكده الدكتور عبد الحميد الكفافي خبير الترميم والمدير العام السابق بالآثار.
الكفافي صدر له كتابا علمياً قيما بعنوان"مبادىء كشف التزييف والتزوير في الاثار والمقتنيات الفنية"عن دار حلم الكاتب للطباعة والنشر والتوزيع،وأكد فيه أن كشف التزوير فى الأثار والمقتنيات الفنية عالم واسع ومجال دقيق،ويحتاج لمهارة كبيرة للتمييز ما بين القديم والحديث مهما كانت براعة من قام حديثاً بإنتاج القطع والأعمال الفنية الحديثة ومهما قام بعمل تقادم عليها.
الكفافي قال:يعتبر الكشف عن التزييف والتزوير فى الأثار والمقتنيات الفنية أمرا بالغ الصعوبة والتعقيد،حيث أنه من خلال أعمال الفحص للقطع والمواد المراد فحصها، وكذلك المعاينات التى قمت بها كثيرا،قد أوضحت لى أن الأمور ليست بالسهولة أن أقر رأيا فى هذه المسألة دون أن يكون هناك دراسات لكل حالة بمفردها،فكثيرا من الزملاء الأثريين يصدرون القرارات فى القطع المعروضة إليهم بمجرد النظر أو بالمعاينة الظاهرية , من غير أن يكون هناك دراسات على كل قطعة أو القيام بعمل تصوير أو إستخدام لبعض الأجهزة فى الفحص أو عمل تحاليل أو مقارنات للقطع المعروضة عليهم.
وحيث أن المقلد للأعمال الفنية أو للقطع الأثرية قد إستطاع أن يستخدم التكنولوجيا الحديثة فى تقليد أعماله , وإستطاع كذلك أن يستخدم المواد والتكنولوجيا القديمة فى إنتاج أعماله الفنية , فاستطاع أن يقلد اللغة المصرية القديمة على التماثيل الحجرية بمختلف أنواعها , وإستطاع أن يقلد المدارس الفنية للعصور المصرية القديمة فى جميع منتجاته الفنية , مما جعل علماء الأثار وخبراء الترميم فى حيرة من أمرهم،ولا بد من تطبيق ﻣﺠﻤﻮﻋﺔ ﻣﻦ اﻟﺘﻘﻨﯿﺎت واﻟﻄﺮق اﻟﻤﺼﻤﻤﺔ ﻟﻔﺤﺺ اﻟﻈﻮاھﺮ واﻟسمات التى يتم رصدها وتوثيقها ودراستها ﻟاستكمال ﻣﻌﻠﻮﻣﺎت أونظريات تتعلق بتقنيات فحص ودراسة العمل محل الشكوك , ولابد من التفرقة بين الاسلوب العلمى والأسلوب النظرى.
وتابع:يجدر بنا أن نفرّق بين كل من التقليد والاستنساخ، وبين والتزوير والتزييف؛ فالتقليد أو الاستنساخ يعنيان محاكاة الأثر، أو خلق نموذج أو نماذج مشابهة للأثر الأصلي، أو القطعة الفنية، أو اللوحة الأصلية، ونقلها نقلاً يوفر حدًّا من التشابه بينهما, ويطلق على هذا العمل عملاً مستعارًا، أو مقلدًا، أو مستنسخًا، أو مصطنعًا،وقد يكون هذا العمل، الذي لا يقصد به الغش والخداع، أمرًا مشروعًا أو مقبولاً، بل قد تقتضيه الضرورة، كوسيلة من وسائل التوثيق والحفظ في حالة فقدان الأثر، أو العمل الفني الأصلي، أو حفاظًا عليه من السرقة والتشويه, وهذا ما تمارسه بعض المتاحف، وقد نجده في بعض المواقع الأثرية، وكذلك في حالة استخدامها كمستنسخات تعليمية لطلاب الفن وغيرهم من الدارسين، أو لفاقدي البصر، أو لأغراض تجارية، كأن تُباع ومعروف أنها غير أصيلة،جميع هذه الأعمال لا تدخل ضمن التزييف أو التزوير .
أما التزوير والتزييف فيعني نسخًا للتحف الأثرية بغرض الغش والخداع، وإعطاء قيمة ثقافية وفنية ومادية لشيء غير أصيل، أي إيهام الغير بأن هذا العمل المزور هو الأثر الأصلي بنية الاحتيال والانتفاع من وراء ذلك بغير حق , وقد يعني التزييف تغيير بعض معالم الأثر لغرض ما، كالتقليل من قيمته، أو لرفع قيمته، أو لتغيير حقائق تاريخية، أو غيرها , وتقليد الأعمال الفنية تقليد قديم قدم الحضارات القديمة؛ فقد كان ظاهرة شائعة في أواخر العصور الفرعونية؛ ففي العصر المتأخر، خاصة الأسرة السادسة والعشرين (664 - 525 ق.م)، شاع تقليد أعمال الدولة القديمة (2780 - 2263 ق.م)، كما شاع في عهد الرومان تقليد بعض الأعمال الفنية للإغريق.
وقد ظهر التزييف في بعض العصور الفرعونية القديمة كما كان الحال في طمس أسماء بعض الملوك من على أعمال فنية نحتية ومعمارية، ونقش اسم فرعون آخر كوسيلة من وسائل الانتحال أو اغتصاب حقوق الغير ونسبتها لغيرهم،وفي عهد الرومان كان بعض الفنانين الثانويين يصنعون الأثر، وينسبونه إلى أساتذة الفن القدامى، وذلك بأن يذيلوه بتواقيع مزورة لهؤلاء الأساتذة.
والحقيقة، إن عملية الكشف عن أصالة الأثر أو العمل الفني عملية لا يمكن أن يقوم بها فرد أو خبير متخصص واحد، بل هو عمل جماعي تكاملي، يتم في إطار تعاون مؤسسي بين جهات أكاديمية وبحثية كفريق واحد. ومن المفترض أن يتضمن هذا الفريق آثاريًّا متخصصًا، وأخصائي ترميم وصيانة، يكونان على دراية بطبيعة المواد الأثرية القديمة وخاماتها، وتقنيات صناعاتها، ومؤرخًا أو دارسًا للفن الذي ينتمي إليه الأثر أو العمل الفني، وكيميائيًّا ملمًّا بطبيعة وتركيب المواد الأثرية القديمة وتفاعلاتها، ومظاهر التغيرات على موادها، وفيزيائيًّا على دراية بكيفية فحص وتحليل الأثر فحصًا علميًّا؛ للتأكد من تركيبه الدقيق الداخلي ومظهره الخارجي، ورصد ما أصابهما من تغيرات وتحولات. وعادة ما يصاحب هذه العملية ويلازمها عملية تأريخ للأثر أو العمل الفني، وتحديد عمره الزمني، تلك التي تتطلب آلية غير متلفة له.
وعن الخطوات التي يمكن الاعتماد عليها في التفرقة بين ما هو أصلي وما هو مزيف،قال الكفافي:تأتي في أولها المعاينة البصرية، التي قد تغني عن الحاجة إلى تحليل أو تقنية علمية؛ فالمعاينة البصرية المبدئية قد تزودنا بمعلومات عن نوعية الأثر، وحالته، والتغيرات التي طرأت عليه، وقد تساعد في التعرف على تقنية صناعته، أو عيوب في إنتاجه، ونوع الزخرفة، أو أماكن الوصل، وإذا كان هناك تذهيب أو تفضيض أو تطعيم أو تكفيت. وكذلك اللون وحالته، والسطح وطبيعته ومظهره. وتعد الخبرة الشخصية عاملاً مهمًّا في المعاينة البصرية؛ فالعين الخبيرة المدربة قادرة على تمييز أخطاء الصناعة أو الزخرفة أو الرسم وأسلوبه، أو طريق استخدام الفرشاة، أو أصناف الألوان. والآثاري المتخصص من المفترض أن يكون ملمًّا بالتاريخ، وعلى دراية بالنقوش والفنون الأثرية للفترة التاريخية المطلوب الكشف عنها.
وقد يصاحب المعاينة البصرية الفحص الخواص الفيزيائية، ومنها اللون، والوزن، والصلادة، والملمس وغيرها.. فلكل مادة لون يميزها عن غيرها إلا أن هذا اللون يمكن تزييفه أو تغييره، كما يمكن أن يتم تغطيته بلون آخر؛ وبالتالي يمكن تغيير شكل القطع أو التحف المقلدة بغرض خداع الآخرين وإيهامهم بأثرية هذه القطع. ومن هنا ينبغي التأكد من اللون الأصلي للقطعة، وهل هو لون متعمق ومتأصل أم سطحي، كما يمكن خدش اللون أو أخذ عينة منه، واختبار المخدش الناتج، ومعرفة إن كان هو اللون الأصلي أم لا. وكذلك تفحص الوزن، خاصة في حالة المعادن والأحجار؛ فبعض المعادن أو الأحجار تتميز بوزن مميز،فمثلاً معدن الرصاص، وحجر الجرانيت والبازلت، وغيرها من الأحجار، تتميز بوزنها العالي، بينما الأحجار الحديثة أو المصنعة عادة ما تكون أخف وزنًا من الأحجار القديمة.
وبخلاف اللون والوزن، هناك الملمس، والصلادة، والمخدش، والقابلية للاحتراق، وجميعها يمكن من خلالها التأكد من أصالة الأثر أو العمل الفني. ويمكن الاستعانة بعدسة مكبرة أو مجهر مكبر، أو إضاءة مباشرة في المعاينة البصرية والفحص البصري , ويلي هذه المعاينة وهذا الفحص دراسة السمات الفنية، والنقوش والكتابات إن وُجدت. فالمعلوم أن كل أثر أو عمل فني ينتمي إلى مدرسة فنية معينة، لها سماتها المميزة، سواء في ملامح الوجوه أو في الزخارف والرسومات، ومعرفة مثل هذه الميزات، سوف تمكن من من التمييز بين ما هو أثري وما هو غير أثري.
كما أن دراسة الكتابات أو النقوش (النصوص) - إن وجدت - سوف تساعد إلى حد كبير في تمييز الأثر الأصلي من المزيف؛ ذلك أن الاختلافات سوف تكون واضحة في أسلوب الكتابة وحرفية النقوش ودقتها، وقد توجد بعض الأخطاء التي يسهل ملاحظتها وتمييزها , ويأتي بعد هذه المراحل مرحلة الفحص العلمي باستخدام أجهزة فيزيائية، لها القدرة على فحص السطح الخارجي للأثر أو العمل الفني، والوقوف على حالته، ومظهره، ومدى تقادمه، وعلامات هذا التقادم، ومنها المجهر البصري والمجهر الإلكتروني، وكذلك أجهزة التصوير الإشعاعي الراديوجرافي، والتصوير بالأشعة تحت الحمراء أو فوق البنفسجية، والعديد من أجهزة الفحص الداخلي الأخرى؛ للوقوف على طبيعة مادة الأثر أو العمل الفني، ومدى ما فيها من تغيرات في تركيبها الدقيق.
ثم التحليل العلمي للمادة الأثرية للتعرف على تركيبها الدقيق، باستخدام أجهزة التحليل الكيفي، أو الكمي، أو هما معًا، على أن تكون من نوعية غير متلفة أو غير ضارة للأثر أو العمل الفني ويمكن من نتائجها الاستدلال على معلومات تغيرات المادة وتفاعلات التقادم, ومن هذه الأجهزة أجهزة الليزر، وتفلور الأشعة السينية، وحيود الأشعة السينية، والنيترونات النشطة، وغيرها من الأجهزة التي قد تحتاج إلى عينات صغيرة، أو لا تحتاج إلى عينات،وأخيرًا يأتي التأريخ كمرحلة أخيرة للتأكد من أصالة الأثر أو العمل الفني. ومن الطرق التي تستخدم للـتأريخ الكربون 14 وطريقة الوميض الحراري المستخدم في تأريخ الفخار.





