رئيس مجلس الإدارة
عمرو عامر
رئيس مجلس الإدارة
عمرو عامر

شقوا الأرض وثقبوا الصخور الكثيفة

باللمناور، تقنية مبتكرة عرفها أهل الواحات لتنمية الزراعة بالعصر الإسلامي

الزراعة في الواحات
الزراعة في الواحات البحرية

كشف دراسة أجرتها باحثة أنه هناك علاقة قوية بين أهل الواحة وإدارة الماء، فهو العنصر الذي من خلاله استطاع إنسان الواحة أن يبني وينسج العديد من العادات والتقاليد والأعراف والقيم والأنظمة والتشريعات والقوانين الاجتماعية التقليدية للماء، تلك الأعراف المحلية المرتبطة بالبيئة؛ شكلت عبر التاريخ قوانين محلية نلجأ إليها في تنظيم شؤون الحياة اليومية المرتبطة بالماء والبيئة، وبالتالي بات من الواجب البحث عن هذه القوانين العرفية من أجل تدوينها  وتطويرها والاستفادة منها.

الدراسة جاءت ضمن رسالة دكتوراة تمت مناقشتها في قسم الآثار بكلية الآداب بجامعة الوادي الجديد بعنوان"المنشآت المائية في واحة الخارجة بالصحراء الغربية في العصر الإسلامي..دراسة آثارية معمارية"للباحثة سهام أحمد إسماعيل بحر مدير الآثار الإسلامية والقبطية بالواحات الخارجة بالوادي الجديد،وحصلت الباحثة علي درجة الدكتوراة في الآثار والعمارة الإسلامية.

المياه الجوفية على أعماق ضحلة

ومن أبرز نتائج الدراسة وجود المياه الجوفية بواحة الخارجة على أعماق ضحلة لا تتجاوز في كثير من الأحيان عشرة أمتار وخاصة في جنوب الواحة ضمن خزان جوفي شبة مفتوح تتحرك المياه خلاله بشكل عام من مختلف الاتجاهات لتكوّن منطقة تصريف تحت سطحية للمياه الجوفية اعتماداً على طبوغرافية المنطقة.

الواحات 1
الواحات 1

وأكدت الدراسة على أن تقنية استخدام المناور لجر المياه لمسافات طويلة  كان لها بالغ الأثر في تاريخ الواحات في دفع عجلة النشاط الزراعي وتزويد البلدات والقرى بالمياه، وبالرغم من امتداد هذه التقنية على اختلاف مسمياتها كما ورد بالدراسة  إلا أنه لم يصلنا عن هذه المنشآت بواحة الخارجة إلا معلومات قليلة أشارت لها بعض الأبحاث.

كما كشفت الدراسة قدرة أهالي واحة الخارجة على ابتكار طرق هندسية فريده لاستخراج المياه من باطن الأرض الأمر الذي  عانى منه كثيراً  أهل الواحة؛ لوجود التحديات الطبيعية القاسية  لمواجهة هذه البيئة القاسية حيث استخدم خبراته ومعارفه المستمدة من خصائص البيئة.

تدفق المياه من الأسفل إلى السطح

فشق الأرض وثقب الصخور الكثيفة حتى عثر على مخازن المياه الجوفية المحصورة داخلة، فجرها إلى مستوطناته، وحفر الأنفاق أو المناور ذات الميل لتسهيل جرها إلى سطح الأرض وفق طريقة علمية تمتاز بالدقة في وقت كانت فيه المعارف بدائية والوسائل بسيطة، وهي طريقة تضمن تدفق المياه من الأسفل إلى السطح وتقسيمها وتوزيعها على الأرض بشكل عادل.

وأوضحت الدراسة من خلال دراسة مناور المياه الوصول إلى نتائج هامة منها معرفة مدى تدفق الماء داخل المناور من خلال الدراسة الكمية للماء التي تم التوصل إليها عن طريق دراسة المعادلات الرياضية للوصول إلى كمية التدفق داخل "المناور" ولم يكن الأمر مقتصراً على  قنوات تجري في باطن الأرض جُلب الماء بواسطتها من العيون والآبار إلى المدن والقرى والبلدات.

وعكست دراسة المنشآت المائية بواحة الخارجة مراحل التطور في مجال التدبير المائي وطرق الاستغلال له منذ القدم، وقد تباينت هذه المنشآت في حجمها ومقدار استيعابها للمياه وأهميتها من منطقة لأخرى،كما إتضح من خلال الدراسة أهمية الماء في تاريخ واحة الخارجة ومدى اهتمام مجتمع الواحات بمصدر الماء الذي يمثل الحياة بالنسبة لهم، ومشاكل البحث واستنباط الماء، بالإضافة إلى أن تاريخ هذا العلم هو في حقيقة الأمر عملية حضارية تحتاج إلى أدوات بحث كما تحتاج في الوقت ذاته إلى استقراء وتحليل نصوصه من خلال التراث الإسلامي بالمصادر المختلفة.

العمائر المائية في المستقرات السكنية

و"العمارة المائـــية" اسم أطلقه قدماء المعماريين والفقهاء والمؤرخون المسلمون على مجمل العمائر والأبنية التي نشأت إما لجلب المياه، أو لتخزينها، أو لرفعها، أو لقياس منسوبها، أو للتحكم في توزيعها، أو لحمايتها، وقد انتشرت هذه العمائر المائية في مختلف المستقرات السكنية بواحة الخارجة،وقد أوضحت الدراسة ذلك تفصيلاً من خلال معرفة منشآت التحكم، ومنشآت الوقاية ومنشآت التوزيع ومنشآت التخزين الأمر الذي يوضح مدى اهتمام ومعرفة أهل الواحة بالمياه وإدارة شؤونها.  

وأدت ندرة الماء في المناطق الصحراوية إلى اتجاه أهل الواحة إلى الكشف والبحث الدائم عن الماء وأماكن تواجدها، ومن ثم إنباطها وجرها إلى منازلهم ومزارعهم فأوجدوا وسائل عدة لحفرها ورفعها وجرها، كما انهم ابتكروا طرقاً لتخزين الماء ، من أجل الحفاظ على الماء والاستفادة به وقتما شاءوا .

واتضح فهم أهل الحضارة الاسلامية لأهمية الماء ودورته، وكيفية الحصول عليه بأقرب وسيلة وأفضل تقنية، كما اتضح من خلال الدراسة مدى ما كانت عليه المنظومة الحضارية الاسلامية متكاملة فكراً وعلما وقانوناً وقضاء لتحقيق غايات الاستفادة من الماء في نواحي الحياة المختلفة في إطار توجيهات الدين الاسلامي الحنيف.

الواحات 2
الواحات 2

وأوضحت الدراسة مدى تأثر المستقرات السكنية بواحة الخارجة بشروط نشأة المدينة الاسلامية في اختيار مواقع تلك المستقرات بالنسبة لمصادر الماء، وكيف بدى شكل النسيج العمراني متأثراً بذلك إلى حد بعيد،كما اتضح من هذه الدراسة مراحل تطور إنشاء المنشآت المائية  في واحة الخارجة، وكيفية توظيف النظريات العلمية في إنشاء هذه المنشآت بتقنيات بدأت بسيطة وتقليدية ثم تطورت مع تطور الحضارة حتى وصلت إلى مستوى متقدم في هذا المجال. 

تأثر المعمار بالعوامل المناخیة والبیئیة

وأوضحت الدراسة ثراء المصادر الفقهية المتخصصة في مجال العمران بالآراء والأحكام التي تتعلق بالتخطيط العمراني بصفة عامة، وكذلك المنشآت المائية المتنوعة سواء كانت عامة أو خاصة،كما أكدت الدراسة أن ظهور البلدات والقرى بواحة الخارجة لم یكن أمرًا عفویًا بقدر ما كان یستجیب لظروف طبیعیة ملائمة توفر الشروط الضروریة للحیاة من وجود مصادر الماء وكيفية استمرار تدفقها والحفاظ عليها.

 وأظهرت الدراسة أن عمارة المنشآت المائية بواحة الخارجة تأثرت بكثير من العوامل المناخیة والبیئیة ،  فنظراً للطبیعة المناخیة، فقد لجأ المعمار إلى محاولة التكیف مع هذه الظروف وانعكس ذلك في ابتكار نوعيات مختلفة من المصدات سواء الطبيعية أو الصناعية حول المنشآت المائية؛ لحمايتها بصفة دائمة من أخطار طمس الرمال،وأوضحت أثر الأحكام الفقهية في توزيع المنشآت المائية وعلاقتها بالمنشآت الدينية  وهو ما يكشف مدى تطبيق الأحكام الفقهية بواحة الخارجة.

الواحات 3
الواحات 3

كما أوضحت الدراسة أن  اهل الواحة حاولوا التغلب على الظروف المناخیة الصعبة للمناطق الصحراویةإلا أنه لم یغفلوا الجانب الفقهي في كيفية احترام الاعراف والقوانين العرفية في تقسيم الماء،وكيفية تخزينه والحفاظ عليه وتجنب النزاعات بين المساهمين في الآبار بتحديد وجبات للماء، فبالرغم من  اختلاف الفقهاء حول تحدید معنى العرف إلا أنهم اتفقوا على أن یكون مصدراً من مصادر التشریع الإسلامي. 

تم نسخ الرابط