560 خادما لنداء الآخرة.. اكتشاف مذهل في قويسنا يعيد إحياء أسرار كتاب الموتى
أعاد الكشف الأثري الجديد في جبانة تل آثار قويسنا بمحافظة المنوفية تسليط الضوء على واحدة من أكثر المعتقدات رسوخًا في الحضارة المصرية القديمة، بعد أن عثرت البعثة الأثرية المصرية التابعة للمجلس الأعلى للآثار على مجموعتين تضمان 560 تمثالًا من الأوشابتي، يحمل عدد منها نصوصًا مقتبسة من «كتاب الموتى»، في اكتشاف يفتح الباب أمام فهم أعمق لطقوس الدفن والاستعداد للحياة الأخرى خلال العصرين المتأخر واليوناني الروماني.
لم يكن المصري القديم يعتقد أن الموت هو النهاية، بل بداية رحلة جديدة في العالم الآخر، تحتاج إلى الطعام والحماية والعمل أيضًا. ومن هنا ظهرت تماثيل الأوشابتي، التي اعتُبرت "الخدم" الذين يتولون الأعمال الشاقة نيابة عن صاحب المقبرة إذا طُلب منه العمل في الحياة الأخرى.
ويكتسب الكشف الأخير في جبانة تل آثار قويسنا بالمنوفية أهمية خاصة، بعدما عثرت البعثة الأثرية المصرية على 560 تمثالًا من الأوشابتي المصنوعة من الفيانس، في واحدة من أكبر المجموعات المكتشفة بالموقع، بعضها يحمل نصوصًا مقتبسة من كتاب الموتى.
ما هو الأوشابتي؟

الأوشابتي هو تمثال صغير، غالبًا ما يُصنع من الفيانس الأزرق أو الأخضر أو الحجر أو الخشب، ويُصور المتوفى في الهيئة الأوزيرية، وهو يحمل أدوات الزراعة، في إشارة إلى استعداده لأداء الأعمال المطلوبة في العالم الآخر.
وكان المصريون القدماء يضعون هذه التماثيل داخل المقابر اعتقادًا بأنها ستدب فيها الحياة سحريًا عندما يُستدعى المتوفى للعمل، فتتولى المهمة بدلًا منه.
لماذا 560 تمثالًا؟
يشير علماء الآثار إلى أن عدد تماثيل الأوشابتي كان يختلف باختلاف المكانة الاجتماعية والحقبة الزمنية.
وفي بعض المقابر، وُجد تمثال واحد فقط، بينما ضمت مقابر أخرى مئات التماثيل، بحيث يمثل كل تمثال يومًا من أيام العمل، إلى جانب تماثيل للمشرفين على هؤلاء "العمال"، وهو ما يعكس اعتقادًا بتنظيم الحياة في العالم الآخر على غرار الحياة الدنيا.
ماذا تكشف نصوص "كتاب الموتى"؟
حمل عدد من التماثيل المكتشفة في قويسنا نصوصًا مقتبسة من كتاب الموتى، وهو ليس كتابًا بالمعنى التقليدي، بل مجموعة من التعاويذ والصلوات التي اعتقد المصري القديم أنها تساعد المتوفى على اجتياز محاكمته أمام أوزير، وتمنحه الحماية والقدرة على العبور إلى الحياة الأبدية.
ومن أشهر هذه النصوص ما يُعرف بـ"تعويذة الأوشابتي"، التي تأمر التمثال بالاستجابة إذا نودي على صاحبه لأداء أي عمل في الحقول أو شق القنوات أو نقل الرمال في العالم الآخر.
لماذا يُعد كشف قويسنا مهمًا؟

تكمن أهمية الكشف في أن العثور على 560 تمثالًا داخل وحدة جنائزية واحدة، إلى جانب تمائم الحماية والأواني الجنائزية والدفنات في الوضع الأوزيري، يمنح الباحثين صورة أكثر اكتمالًا عن المعتقدات الجنائزية خلال العصرين المتأخر واليوناني الروماني.
كما يساعد توزيع التماثيل داخل الحجرات، والنصوص المنقوشة عليها، في فهم تطور طقوس الدفن، وكيف استمرت المعتقدات المصرية القديمة حتى مع اتساع التفاعل الثقافي والتجاري مع العالم المتوسطي.
وبذلك لا تمثل تماثيل الأوشابتي مجرد قطع أثرية صغيرة، بل وثائق صامتة تكشف كيف تخيل المصري القديم الحياة بعد الموت، وسعى إلى تجهيز نفسه لها بكل ما يلزم، حتى "خدم" يؤدون عنه العمل في العالم الآخر.




