تماثيل صامتة أدت أعمال أصحابها بعد الموت.. حكاية الأوشابتي المذهلة
في إحدى قاعات الدور العلوي بالمتحف المصري بالتحرير تقف عشرات التماثيل الصغيرة في صمتٍ مهيب، وكأنها تنتظر نداءً لم يأتِ بعد منذ أكثر من ثلاثة آلاف عام. للوهلة الأولى قد تبدو مجرد قطع أثرية متشابهة، لكن كل تمثال منها كان يحمل رسالة مقدسة، ووعدًا قطعه المصري القديم لنفسه في رحلته إلى الخلود.
خُلقت لتكون خدمًا أوفياء يرافقون أصحابهم في العالم الآخر

إنها تماثيل الأوشابتي، أو كما عرفها المصريون القدماء بـ"التماثيل المُجيبة". لم تُصنع للزينة، ولم تكن مجرد مقتنيات توضع داخل المقابر، بل خُلقت لتكون خدمًا أوفياء يرافقون أصحابهم في العالم الآخر، ويقومون بالأعمال الشاقة بدلًا منهم.
استمدت هذه التماثيل اسمها من الفعل المصري القديم "وشب"، أي "يُجيب". وكان الاعتقاد السائد أن المتوفى قد يُستدعى للعمل في حقول العالم الآخر، فيحرث الأرض أو يحصد المحاصيل أو يروي الزروع داخل "حقول الإيارو"، الجنة الأبدية في العقيدة المصرية القديمة. وعندما يأتي هذا النداء، يكون الأوشابتي هو من يجيب نيابة عن صاحبه، معلنًا استعداده للقيام بالمهمة.
شاهدًا حيًا على إيمان الأسرة الملكية

وسط هذه المجموعة المذهلة، يحتفظ المتحف المصري بمجموعة استثنائية تعود إلى يويا وثويا، والدي الملكة تي، وجدي الملك الذهبي توت عنخ آمون. خرجت هذه التماثيل من مقبرتهما، لتصبح اليوم شاهدًا حيًا على إيمان الأسرة الملكية بأن رحلة الإنسان لا تنتهي بالموت، بل تبدأ بعدها حياة أخرى تحتاج إلى الاستعداد الكامل
ورغم صغر حجمها، تكشف تماثيل الأوشابتي عن براعة مذهلة في الصناعة؛ فقد نُحتت من الحجر أو الخشب أو الفيانس المصري، وحملت في أيديها أدوات الزراعة، بينما زُينت أجساد الكثير منها بنقوش هيروغليفية وتعويذات من "كتاب الموتى"، تطلب منها أن تنهض فور مناداة صاحبها، وتؤدي العمل نيابة عنه.
جانب إنساني عميق في عقيدة المصري القديم

وتكشف هذه التماثيل عن جانب إنساني عميق في عقيدة المصري القديم؛ فقد آمن بأن الحياة بعد الموت امتداد للحياة على الأرض، وأن النظام والعمل سيستمران حتى في العالم الآخر.
لذلك لم يترك شيئًا للصدفة، بل اصطحب معه من يضمن له الراحة الأبدية في رحلته نحو الخلود.

واليوم، لا تقف تماثيل الأوشابتي داخل المتحف المصري باعتبارها قطعًا أثرية فحسب، بل باعتبارها شهودًا على حضارة آمنت بأن الوفاء لا ينتهي بالموت، وأن تمثالًا صغيرًا قادر على حمل أمل إنسان في حياة لا تنتهي.





