رئيس مجلس الإدارة
عمرو عامر
رئيس مجلس الإدارة
عمرو عامر

أحكام بالاسترداد وآثار لا تعود، من يعطل عودة كنوز مصر؟

قطع اثرية مصرية
قطع اثرية مصرية

كلما أعلنت مصر عن نجاحها في استعادة قطعة أثرية من الخارج، يتجدد سؤال يطرحه الرأي العام: إذا كانت بعض القطع قد صدر بشأنها أحكام قضائية أو ثبتت أحقيّة مصر فيها، فلماذا لا تعود جميع الآثار إلى موطنها الأصلي؟

وتبدو الإجابة بسيطة للوهلة الأولى، لكنها في الواقع واحدة من أكثر الملفات تعقيدًا في عالم حماية التراث، حيث تتداخل القوانين الدولية، واختلاف التشريعات بين الدول، والإجراءات القضائية، والمواقف السياسية، لتتحول عملية استرداد قطعة أثرية واحدة إلى معركة قد تمتد لسنوات، وربما لعقود.

رحلة بدأت منذ قرون

شهدت مصر، منذ نهاية القرن الثامن عشر وخلال القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين، خروج آلاف القطع الأثرية إلى الخارج بطرق مختلفة.

 بعضها خرج وفق القوانين السائدة آنذاك، مثل نظام "القسمة" الذي كان يمنح البعثات الأجنبية جزءًا من مكتشفاتها، بينما خرجت قطع أخرى عبر الإهداءات الرسمية أو الشراء أو التهريب والاتجار غير المشروع.هذا التنوع في طرق خروج الآثار جعل كل قطعة تمثل حالة قانونية مستقلة، لا يمكن التعامل معها بالأسلوب نفسه.

الحكم القضائي ليس نهاية الطريق

يعتقد البعض أن صدور حكم قضائي لصالح مصر يعني عودة القطعة مباشرة، لكن الواقع أكثر تعقيدًا.

فالأحكام قد تصدر داخل دولة معينة، بينما توجد القطعة في دولة أخرى، أو قد تتطلب إجراءات تنفيذ معقدة وفق قوانين الدولة التي توجد بها. 

وفي بعض الحالات تُستنفد درجات التقاضي كافة قبل الوصول إلى حكم نهائي واجب التنفيذ، وهو ما قد يستغرق سنوات طويلة.

كما أن تنفيذ الأحكام يرتبط أحيانًا بإجراءات إدارية ودبلوماسية بين الحكومات، وليس بالقضاء وحده.

اختلاف القوانين بين الدول

من أبرز العقبات التي تواجه ملف الاسترداد اختلاف التشريعات المنظمة للملكية الأثرية من دولة إلى أخرى.

فبعض الدول تمنح حماية كبيرة لحائزي القطع إذا كانوا قد اشتروها بحسن نية، بينما تشترط دول أخرى تقديم أدلة دقيقة تثبت أن القطعة خرجت من مصر بطريقة غير مشروعة وبعد سريان الاتفاقيات الدولية الخاصة بمنع الاتجار غير المشروع في الممتلكات الثقافية.

ولهذا، فإن كل قضية تحتاج إلى ملف قانوني ووثائقي متكامل لإثبات حق مصر في الاسترداد.

اتفاقية اليونسكو وحدودها

تمثل اتفاقية اليونسكو لعام 1970 نقطة تحول في مكافحة الاتجار غير المشروع بالآثار، لكنها لا تُطبق بأثر رجعي.

وهذا يعني أن عددًا كبيرًا من القطع التي خرجت من مصر قبل الاتفاقية يخضع لأوضاع قانونية مختلفة، ما يجعل استردادها أكثر تعقيدًا، ويستلزم في كثير من الأحيان اللجوء إلى التفاوض أو التسويات أو إثبات وجود مخالفات قانونية أخرى.

المتاحف العالمية.. جدل لا ينتهي

اضم متاحف عالمية شهيرة آلاف القطع المصرية التي أصبحت جزءًا من مجموعاتها الدائمة.

وتؤكد هذه المؤسسات في بعض الأحيان أن مقتنياتها وصلت إليها بصورة قانونية وفق القوانين السارية وقت انتقالها، بينما ترى مصر أن بعض هذه القطع تمثل جزءًا أصيلًا من تراثها الحضاري، وتواصل العمل على دراسة أوضاعها القانونية كل حالة على حدة.

وهذا الجدل لا يقتصر على مصر وحدها، بل يمتد إلى العديد من الدول التي تطالب باستعادة تراثها الثقافي الموجود في الخارج.

الدبلوماسية الثقافية... سلاح لا يقل أهمية عن القضاء

لم تعد عمليات الاسترداد تعتمد على المحاكم فقط، بل أصبحت الدبلوماسية الثقافية عنصرًا أساسيًا في هذا الملف.

وتعمل وزارة السياحة والآثار، بالتعاون مع وزارة الخارجية والنيابة العامة والجهات الأمنية، على تتبع القطع المعروضة في المزادات العالمية، وإيقاف بيعها إذا ثبت خروجها بطريقة غير مشروعة، إضافة إلى التفاوض مع المتاحف والمؤسسات الثقافية لإعادة بعض القطع طواعية.

وقد نجحت مصر خلال السنوات الأخيرة في استعادة مئات القطع الأثرية من دول مختلفة، في واحدة من أكبر حملات استرداد الآثار في تاريخها.

معركة لا تنتهي

يرى خبراء التراث أن استرداد الآثار ليس مجرد قضية قانونية، بل معركة طويلة للدفاع عن الهوية الثقافية والحضارية.

فكل قطعة تعود إلى مصر تمثل استعادة لجزء من تاريخها، لكنها في الوقت نفسه تكشف حجم التحديات التي ما زالت قائمة، سواء على المستوى القانوني أو الدبلوماسي أو الدولي.

وبين النجاحات المتواصلة والعقبات المستمرة، يبقى ملف استرداد الآثار أحد أكثر الملفات حساسية، لأن القضية لا تتعلق فقط بتمثال أو تابوت أو بردية، بل بذاكرة أمة وحضارة تمتد لآلاف السنين.

ويبقى السؤال مفتوحًا: 

كم قطعة أثرية مصرية ما زالت تنتظر قرارًا قضائيًا أو اتفاقًا دبلوماسيًا أو فرصة قانونية تعيدها إلى موطنها الأصلي، بعد سنوات طويلة من الغياب؟

تم نسخ الرابط