ذكاء وفن من القرن الـ18، تعرف على قطعة الشهر بمتحف الفن الإسلامي
في إطار استراتيجيته المستمرة لتسليط الضوء على الكنوز التراثية الفريدة التي تزخر بها خزائنه، والتي تعكس عمق وجاذبية الحضارة الإسلامية وتأثيرها الممتد في مسيرة الثقافة الإنسانية، أعلن متحف الفن الإسلامي بالقاهرة عن اختيار قطعة أثرية استثنائية لتكون قطعة الشهر.
القطعة المختارة هي صندوق خشبي فاخر مزدوج الاستخدام للعبتي الطاولة والشطرنج، يرجع تاريخه إلى مصر في العصر العثماني (القرن 12–13 الهجري / 18–19 الميلادي)، ليمثل شاهدًا حيًا على تلاقي الفن والفكر وأدوات التسلية الراقية في المجتمعات التاريخية.
الفكر والتسلية في ظلال الحضارة الإسلامية
لم تكن الألعاب الذهنية في مجتمعات العصور الإسلامية مجرد وسيلة لتمضية الوقت أو الترفيه العابر، بل كانت مرآة عاكسة للازدهار الفكري والاستقرار الاجتماعي والعمق الفلسفي.
وتُعد لعبة الشطرنج، على وجه الخصوص، من أبرز الألعاب الفكرية التي نالت اهتمامًا واسعًا تجاوز الحدود الطبقية؛ إذ شغف بها الخلفاء والأمراء في قصورهم، كما حظيت بعناية العلماء والفقهاء والعامة في المجالس والمقاهي التاريخية.

وقد أسهم الفكر الإسلامي إسهامًا بارزًا في تطوير استراتيجيات هذه اللعبة وتعديل قواعدها، وصنف الفلاسفة واللاعبون المسلمون الأوائل مؤلفات متخصصة في "منصوبات الشطرنج" وخططها واستراتيجياتها، وكان للعالم الإسلامي الفضل الأكبر في نشر اللعبة ونقلها إلى أوروبا عبر الأندلس وصقلية، لتصبح جزءًا من التراث الثقافي والإنساني المشترك.
إبداع هندسي مطعم بالعاج والعظم
تجسد القطعة المعروضة هذا الشهر الذوق الرفيع وبراعة الفنون التطبيقية وصناعة الأثاث والعلب الخشبية في مصر خلال العصر العثماني، وتكشف تفاصيلها عن مهارة استثنائية للصانع الذي جمع بين الوظيفة العملية والقيمة الجمالية.
النوع والاستخدام
صندوق خشبي صُمم بذكاء ليُستخدم من الداخل والخارج؛ إذ يحمل وجهه الخارجي رقعة الشطرنج، بينما خُصص الجزء الداخلي للعبة الطاولة (النرد)، بما يعكس مرونة التصميم.
صُنع الصندوق من أجود أنواع الأخشاب، وطُعِّم بدقة بقطع هندسية صغيرة من العاج الأبيض والعظم، وهي من الخامات الثمينة التي أضفت عليه فخامة ورقيًا.
يتميز بزخارف هندسية دقيقة اعتمدت على تقنية التطعيم (Marquetry)، حيث نجح الصانع في تحقيق تناغم بصري بين لون الخشب الطبيعي وبياض العاج والعظم، مستلهمًا الأنماط النجمية والهندسية التي اشتهر بها الفن الإسلامي.
المنشأ والتأريخ
صُنع في مصر خلال العصر العثماني، ويؤرخ بالقرنين 12–13 الهجريين / 18–19 الميلاديين.
متحف الفن الإسلامي... نافذة متجددة على التاريخ الاجتماعي
يأتي هذا الإعلان ضمن التقليد الشهري الذي يتبعه متحف الفن الإسلامي بالقاهرة لإبراز مقتنيات ترتبط بالحياة اليومية والعادات الاجتماعية والأنشطة الثقافية للشعوب الإسلامية عبر العصور.
فالأثر هنا لا يتحدث عن مادة وصناعة فحسب، بل يروي قصة المجالس، والسمر، والمساجلات الفكرية التي دارت حول هذه الرقع الخشبية، وكيف تحولت أدوات الترفيه إلى تحف فنية خالدة تحمل بين تفاصيلها ملامح حضارة كاملة.
وفي هذا السياق، يوجه المتحف دعوة مفتوحة لعشاق الآثار والباحثين والجمهور العام لزيارة قاعاته والتعرف عن قرب على هذه القطعة الفريدة التي تمزج بين عبقرية التصميم وعمق التاريخ، وتكشف جانبًا من الحياة الاجتماعية والفكرية في مصر خلال العصر العثماني.





