رئيس مجلس الإدارة
عمرو عامر
رئيس مجلس الإدارة
عمرو عامر

بين أحضان الأسرة.. تمثال نادر يكشف الجانب الإنساني في مصر القديمة

بين أحضان الأسرة..
بين أحضان الأسرة.. تمثال نادر يكشف الجانب الإنساني في مصر

لم تكن التماثيل في مصر القديمة مجرد أعمال فنية أو وسيلة لتخليد أصحابها، بل كانت سجلًا بصريًا يوثق تفاصيل الحياة اليومية والعلاقات الإنسانية والمكانة الاجتماعية لأصحابها.

 ومن بين القطع الأثرية التي تعكس هذا المفهوم بوضوح، يبرز تمثال فريد من الحجر الجيري يعود إلى عصر الدولة الحديثة، يصور المسؤول الملكي مري-بتاح جالسًا بين والدته كافي وشقيقه سا-آست، في مشهد عائلي نادر يكشف جانبًا إنسانيًا من حضارة عُرفت بعظمتها السياسية والدينية.

تاريخ التمثال إلى الأسرة التاسعة عشرة خلال عهد الملك رمسيس الثاني

ويؤكد أن الأسرة كانت تمثل إحدى الركائز الأساسية للمجتمع المصري القديم. ويعود تاريخ التمثال إلى الأسرة التاسعة عشرة، خلال عهد الملك رمسيس الثاني، بين عامي 1304 و1237 قبل الميلاد، وقد عُثر عليه داخل مقبرة مري-بتاح رقم (TT387) بمنطقة الشيخ عبد القرنة في البر الغربي لمدينة الأقصر، وهي واحدة من أهم جبانات النخبة في طيبة القديمة، حيث دُفن كبار رجال الدولة والكهنة والكتبة الذين لعبوا أدوارًا محورية في إدارة شؤون البلاد خلال عصر الدولة الحديثة. 

الكاتب الملكي لمائدة سيد الأرضين

ولم يكن مري-بتاح شخصية عادية داخل البلاط الملكي، بل حمل لقب "الكاتب الملكي لمائدة سيد الأرضين"، وهو منصب إداري رفيع يعكس حجم الثقة التي حظي بها لدى الملك. وكان الكتبة في مصر القديمة يشكلون العمود الفقري للجهاز الإداري، إذ تولوا تسجيل الوثائق الرسمية، وإدارة السجلات، والإشراف على المخازن والضرائب والاحتفالات الملكية، ما جعلهم من أكثر الفئات نفوذًا واحترامًا في المجتمع.

 ويتميز هذا التمثال بتكوين فني نادر، إذ لم يكتفِ الفنان المصري القديم بتصوير صاحب المقبرة منفردًا كما جرت العادة، بل حرص على إظهاره بين والدته وشقيقه، في رسالة تؤكد أن الروابط الأسرية لم تكن تنتهي بوفاة الإنسان، بل كانت تمتد إلى العالم الآخر وفقًا للمعتقدات المصرية القديمة. ويكشف هذا الاختيار عن المكانة الرفيعة التي حظيت بها الأم داخل الأسرة، باعتبارها رمزًا للحياة والاستمرار، كما يعكس أهمية الأخوة بوصفها امتدادًا للعائلة ووحدة المجتمع. 

ويؤكد علماء المصريات أن مثل هذه التماثيل لا تمثل مشاهد عائلية فحسب، بل تعكس جانبًا من العقيدة الجنائزية، حيث اعتقد المصري القديم أن وجود أفراد الأسرة في المقبرة أو على التماثيل يضمن استمرار الترابط بينهم بعد الموت، ويمنح المتوفى الدعم والحماية في رحلته إلى العالم الآخر، وهو ما يفسر حرص الكثير من كبار المسؤولين على تخليد أفراد أسرهم داخل مقابرهم.

 ومن الناحية الفنية، يكشف التمثال عن المستوى المتقدم الذي بلغته مدرسة النحت في عصر رمسيس الثاني، حيث نجح الفنان في تحقيق توازن دقيق بين الواقعية والرمزية، مع إبراز تفاصيل الوجوه والملابس وهيئات الجلوس بدقة لافتة، بما يعكس مهارة استثنائية في التعامل مع الحجر الجيري وتحويله إلى عمل فني نابض بالحياة، استطاع أن يصمد لأكثر من ثلاثة آلاف عام.

 كما تمثل منطقة الشيخ عبد القرنة، التي اكتُشف فيها التمثال، واحدة من أهم المواقع الأثرية في البر الغربي بالأقصر، إذ تضم مئات المقابر المزينة بالنقوش والمناظر التي توثق تفاصيل الحياة اليومية والطقوس الدينية والمهن المختلفة، لتقدم صورة متكاملة عن المجتمع المصري القديم بعيدًا عن حياة الملوك داخل المعابد والقصور. 

يُعرض التمثال حاليًا في متحف التاريخ الفني (Kunsthistorisches Museum) بالعاصمة النمساوية فيينا

 ضمن مجموعة الآثار المصرية التي تحظى باهتمام كبير من الباحثين والزوار، لما تمثله من قيمة تاريخية وفنية، خاصة أن هذا العمل يعد من أندر النماذج التي توثق العلاقات الأسرية لكبار رجال الدولة في عصر الدولة الحديثة.

 وبعد أكثر من ثلاثة وثلاثين قرنًا، لا يزال تمثال مري-بتاح يروي حكاية مختلفة عن الحضارة المصرية القديمة؛ حكاية لا تتحدث عن الحروب أو المعابد أو إنجازات الملوك، بل عن أسرة جمعتها المحبة، ورجل أراد أن يخلد أقرب الناس إلى قلبه إلى جواره إلى الأبد.

 وبين ملامح الأم الهادئة، وجلوس الابن الواثق، وحضور الشقيق إلى جواره، تتجسد رسالة إنسانية خالدة تؤكد أن قوة الحضارة المصرية لم تكن في عظمتها المعمارية فقط، وإنما أيضًا في تقديسها لقيم الأسرة والانتماء، وهي قيم ما زالت تحتفظ ببريقها رغم مرور آلاف السنين.

تم نسخ الرابط