كنوز أثرية فريدة من الخشب
مراكب الشمس..قصة نجاح من الإكتشاف حتي المستقر الأخير في المتحف المصري الكبير
يعد متحف مراكب خوفو"مراكب الشمس" من أبرز منشآت ومكونات المتحف المصري الكبير،خاصة أن المنطقة الواقعة أمامه تضمنت سيناريو عرض مدهش، وذلك بإنشاء نموذج محاكاة لحفرة المركب التي تم استخراجها منها بمنطقة الأهرامات،وتماثل في تصميمها المعماري نفس الحفرة التي كانت في منطقة الأهرامات.
وقد تمت الاستعانة بالأحجار الحقيقية نفسها التي كانت فوق الحفرة الأصلية،مع إجراء الصيانة والترميم اللازم لها،حيث تتاح الفرصة للزوار ضمت مسار الزيارة حينها عند دخول الحفرة والمرور أسفل الأحجار،لرؤية الكتابات والجرافيتي الذي كتبه المصري القديم علي الأحجار منذ آلاف السنين،وذلك قبل الدخول الي مبني المتحف ومشاهدة المركبين.
وتعرض داخل المتحف مركبان،الأولي التي كانت في متحف خاص بها بجوار الأهرامات قبل نقلها للمتحف الكبير،والثانية هي التي تم إستخراجها من حفرتها المجاورة للهرم، حيث كانت مفككة وموضوعة في الحفرة علي هيئة ألواح خشبية، حيث تم نقل الألواح الخشبية كاملة إلي المتحف المصري الكبير، وتم بناء هيكل معدني تتم عليه حالياً عملية إعادة تجميع المركب مرة أخرى،وذلك في تجربة جديدة وفريدة يتابعها زوار المتحف يوميا.
مركب خوفو الأولي..ملحمة الإكتشاف والنقل
في عام 1954 م كان كمال الملاخ الكاتب والصحفي وعالم الآثار رئيساً لقسم الهندسة بهيئة الآثار المصرية،وعلي يديه تم إكتشاف مركب خوفو الأولي فى الجهة الجنوبية لهرم خوفو،وذلك أثناء تنظيف هذه المنطقة من الرمال المحيطة بها،وتم البدء في بناء المأوي الخشبي الأول ورفع كتل السقف الحجرية من فوق حفرة المركب، وحينها ظهرت في البداية مقصورة الرئيسية للمركب من الداخل وسقفها محمول علي ثلاثة أعمدة نخيلية.
الملاخ اكتشف صفًا من كتل حجرية تغطي حفرة في الأرض، احتوت على سلسلة من ألواح مصنوعة من خشب الأرز مرتبة وموضوعة بعناية فضلًا عن حبال وأجزاء أخرى لازمة لإعادة بناء السفينة،وقد بلغ عدد قطع المركب المكتشفة حوالى 1222 قطعة ، موضوعين فى 13 طبقة مرتبين بعناية، وقد تضرر الجزء الخاص بمقدمة السفينة، وأكبر قطعة 23 متراً وأصغر قطعة حوالي 10 سم،ة وخمسة أزواج من المجاديف واثنين من زعانف التوجيه ومقصورة، حيث بلغ طول المركب 43.4م وأقصى عرض 5.9م، وعمق 1.78م، وارتفاع المقدمة 6 أمتار.
وبعد إزالة الأتربة من حول حجرة المركب تم إستخراجها مفككة بحالتها التي تم العثور عليها،وبعد ترميمها تم ربطها وإعادة بنائها مرة أخري،وذلك علي يد المهندس أحمد يوسف المرمم الذي أعاد الروح للمركب عام 1961م، حيث نجح في أن يعيد تجميع مركب خوفو المكتشفة فى عمليات الترميم لمدة ٢٠ عامًا لمعالجة الأضرار الجديدة التي لحقت به حتى تم افتتاح المتحف المخصص لعرض المركب رسميًا في 6 مارس سنة 1982 في متحف خاص بها بمنطقة آثار الهرم، والذي كان معروفاً بإسم مبنى متحف مركب خوفو.
وفي أغسطس ٢٠٢٠ تم غلق متحف مركب خوفو،وبدأت أعمال تأهيل المركب لنقلها للمتحف المصري الكبير،والذي تم تجهيزه بأحدث الأساليب العلمية والتكنولوجية للعرض المتحفي، بالاضافة إلى أجهزة الرصد والقياس الحديثة للحفاظ علي هذا الأثر العضوي الهام والفريد، حيث مثلت عملية النقل إنجازا يضاف إلي المصريين وخاصة فريق المتحف المصري الكبير.
ونجح فريق عمل هندسي واثري مصري ذو خبرة كبيرة في وضع مركب خوفو الأولي في صندوق مؤمن، وذلك تمهيدا لنقلها لتوضع مع مركب خوفو الثانية الجاري تجميعها حالياً ليكونا معا في مكان واحد، وذلك علي مساحة تصل ل15الف متر مربع وهي تعادل مساحة المتحف المصري بالتحرير.
وتم نقل مركب خوفو الأولي في كونتير خاص تم تحميله كقطعة واحدة علي عربة خاصة مجهزة لعملية النقل بشكل آمن تماماً، حيث كان الهدف من نقل المركب الحفاظ على أكبر وأقدم وأهم أثر عضوي مصنوع من الخشب في التاريخ الإنساني، وهو مركب خوفو الأولى التي يبلغ عمرها أكثر من 4600 عاماً، وعرضها بطريقة لائقة تتناسب مع أهميتها بالمتحف المصري الكبير.
مركب خوفو الثانية..براعة الأجداد والأحفاد
عمليات ترميمها وصيانة كثيرة وكبيرة أجريت لأخشاب مركب خوفو الثانية،حيث يعد مشروع ترميم أخشابها وتجميعها أحد أكبر مشروعات الترميم في العالم، وهو مشروع مصري ياباني مشترك بين وزارة السياحة والآثار وجامعة هيجاشى الدولية اليابانية برئاسة دكتور ساكوجي يوشيمورا، حيث تم المشروع علي 4 مراحل وتم إستخراج الأخشاب بعد عمل التأمين والحماية لها بتغليفها بالورق الياباني كوسيلة تقوية وحماية اثناء عملية الرفع،وتم تسجيل كل القطع وتحديد الحالة الراهنة لها
والمرحلة الأولى تضمنت تجهيز الموقع بعمل تغطية"هانجر"يحيط بموقع الحفرة كاملا وبجواره اماكن لبناء معمل ترميم ومخازن، وبداخل الهانجر الكبير تم عمل تغطية صغيرة على حدود الحفرة فقط لتقييد الظروف البيئية عند رفع البلاطات الحجرية التى تغطى حفرة المركب، وفي عام 2010 تم رسم مساقط أفقية لسور الهرم المحيط والذى كان يغطى الحفرة، وتم عمل توثيق للسور الأثرى باستخدام الليزر سكان.
وفي المرحلة الثانية 2011 تم رفع الغطاء الحجرى الذي يغطي حفرة المركب ويقدر بعدد 44 كتلة حجرية، وتتراوح أوزانها بين 11 الي 18 طن وتم وضعه خارج الحفرة،و تم ضبط درجة الحراره والرطوبة داخل الهانجر قبل بدء اعمال الرفع، وتم عزل سقف حجرة الحفرة بالواح خشبية معالجة كيميائيا تم استيرادها من اليابان للحفاظ على معدل الحرارة والرطوبة، وتم انشاء وتجهيز معمل للترميم ومخزن مؤقت بالموقع لحفظ اخشاب المركب بعد معالجتها لحين اعادة التركيب.
وفي المرحله الثالثة عام 2012 تم اخذ عينات من الاخشاب واجراء كافة التحاليل العلمية والمعملية عليها فى مصر واليابان طبقا لموافقات اللجنة الدائمة، لتحديد مظاهر التلف المختلفة وانواع التلف الميكروبيولوجي متمثلا في الإصابات الفطريات والحشرية التى توجد بالاخشاب، وعلى نتائج التحاليل تم وضع الخطة المناسبة للترميم ومعالجة أخشاب المركب ،وذلك في معمل الترميم والمخزن الخاص بالاخشاب بالموقع.
والمرحلة الرابعة والتي بدأت في 2014 تضمنت رفع الاخشاب من حفرة المركب الي معمل الترميم وترميمها وتقويتها،وعمل الدراسة التجريبة اللازمة وتم التوصل إلي المواد المناسبة التي تم استخدامها في أعمال التقوية،وتم عمل إختبارات التقادم علي هذه المواد ودراسة الاختبارات المعمليه لها لإستنتاج مدي نجاحها وما هو تاثيرها بعد مرور مائة عام علي عمليات التقوية، وتم التوثيق اللازم لجميع الطبقات التي يتم رفعها بتقنية التصوير ثلاثي الأبعاد، وتم الترميم الأولي والتدعيم للقطع المتدهورة داخل الحفرة، وتم عمل رسم يدوي وتوثيق بالتصوير ثلاثي الأبعاد لكل قطعة بعد إنتهاء الترميم، تمهيدا لتجميع المركب باستخدام الكمبيوتر أولا قبل التجميع الفعلي لها.
وحالياً جاري تجميعها علي هيكل معدني قوي وآمن داخل متحف مراكب الشمس في المتحف المصري الكبير، وهي تجربة فريدة وغير مسبوقة في مصر،حيث يتم العمل أمام زوار المتحف،والذين يتابعونه بشغف وانبهار.





