رئيس مجلس الإدارة
عمرو عامر
رئيس مجلس الإدارة
عمرو عامر

أنا بريء من السرقة.. خطاب مصري عمره آلاف السنين يدافع فيه صاحبه عن نفسه

Go Egypia

من دفاتر المصري القديم | وثيقة من دير المدينة تكشف جانبًا من الحياة القانونية والاجتماعية قبل آلاف السنين

«أنا بريء من السرقة».. ربما تبدو العبارة للوهلة الأولى وكأنها جزء من محضر تحقيق حديث، لكنها في الحقيقة تختبئ بين سطور رسالة مصرية قديمة كُتبت قبل آلاف السنين، على قطعة من الحجر الجيري، لتسجل دفاع صاحبها عن نفسه أمام اتهام خطير.

الوثيقة محفوظة اليوم في المتحف البريطاني تحت رقم EA5631، وهي أوستراكون من الحجر الجيري عُثر عليه في دير المدينة غرب طيبة، ويحمل على وجهه 18 سطرًا من الكتابة، تتضمن رسالة كتبها شخص مجهول ينفي فيها تورطه في سرقة أدوات ثمينة، ويطلب الإفراج عنه من العمل القسري.

رسالة دفاع من قلب دير المدينة

ostracon | British Museum

تكشف الوثيقة عن جانب شديد الإنسانية من حياة المصريين القدماء؛ فبعيدًا عن صور الملوك والنقوش الاحتفالية، نجد شخصًا عاديًا يواجه اتهامًا ويحاول أن يثبت براءته.

لم تكن دير المدينة مجرد تجمع سكني للعمال الذين شاركوا في إنشاء المقابر الملكية، بل كانت مجتمعًا يمتلك نظامًا إداريًا وقضائيًا، وتكشف الوثائق التي خرجت من الموقع عن وجود مراسلات وحسابات ونزاعات وإجراءات قانونية مرتبطة بحياة السكان اليومية.

وتقدم هذه الرسالة مثالًا واضحًا على استخدام الكتابة في الدفاع عن الحقوق والتعامل مع الاتهامات، وهو ما يجعلها أكثر من مجرد قطعة أثرية؛ إنها شهادة مباشرة على أن المصري القديم كان يدوّن تفاصيل حياته ومشكلاته ويبحث عن وسائل لإثبات موقفه.

«العمل القسري» في قلب القضية

من أكثر التفاصيل اللافتة في الوثيقة أن صاحب الرسالة لا يكتفي بنفي السرقة، بل يطلب أيضًا الإفراج عنه من العمل القسري، وفق وصف المتحف البريطاني لمحتوى النص. 

العمال في مصر القديمة

وهنا تظهر قيمة الوثيقة في كشف طبيعة الإجراءات التي كان يمكن أن يواجهها المتهمون في ذلك المجتمع، كما تعكس أهمية الكتابة في التواصل مع أصحاب السلطة وطلب رفع العقوبة أو تغييرها.

ولا تكشف القطعة فقط عن واقعة اتهام، وإنما تمنح الباحثين نافذة على علاقة الفرد بالمؤسسات والسلطة داخل مجتمع دير المدينة.

لماذا الحجر وليس ورق البردي؟

الرسالة لم تُكتب على بردية، وإنما على قطعة من الحجر الجيري، وهو ما يعرف باسم «الأوستراكون».

وكانت قطع الحجر الجيري والشقف الفخارية من المواد التي استخدمها المصريون القدماء للكتابة والرسم، خصوصًا في السياقات اليومية والإدارية والتعليمية، وقد حفظت لنا مواقع مثل دير المدينة عددًا كبيرًا من هذه النصوص.

وتظهر أهمية هذه المواد في أنها نقلت إلينا تفاصيل لا نجدها دائمًا في النصوص الرسمية، من الحسابات والمراسلات إلى الشكاوى والنزاعات.

ليست واقعة السرقة الوحيدة

وتكشف مجموعة وثائق دير المدينة عن وجود قضايا أخرى مرتبطة بالسرقة والنزاعات، من بينها أوستراكون محفوظ بالمتحف البريطاني يسجل إجراءات قضائية تتعلق بمحاكمة عامل يدعى حوي، اتُّهم بسرقة ثلاثة أوتاد تخص الفرعون. 

كما توجد وثيقة أخرى من دير المدينة تتضمن استغاثة العامل نخموت أمام وحي أمنحتب الأول بشأن سرقات ارتكبها أشخاص مجهولون. 

وتوضح هذه الوثائق مجتمعة أن السرقة والملكية والنزاعات لم تكن موضوعات هامشية في حياة المجتمع المصري القديم، وإنما كانت قضايا تعاملت معها آليات محلية وقانونية ودينية مختلفة.

دفتر يوميات المصري القديم

ostracon | British Museum

وتأتي هذه الرسالة ضمن ما يمكن وصفه بـ«دفاتر المصري القديم»؛ وهي مجموعة الوثائق التي تجعلنا نرى الإنسان المصري بعيدًا عن الصورة الرسمية التي حفظتها جدران المعابد والمقابر.

فمن خلال أوستراكون صغير يمكن أن نعرف أن هناك شخصًا اتُّهم، وأنه حاول الدفاع عن نفسه، وأنه كان يواجه عقوبة تتعلق بالعمل القسري، وأن الكتابة كانت وسيلة للتعبير عن موقفه.

وهنا تكمن القيمة الحقيقية للوثيقة: أنها لا تحكي قصة ملك، وإنما تحكي قصة إنسان.

وبعد مرور آلاف السنين، ما زالت كلمات ذلك الشخص المجهول تفتح نافذة على مجتمع عرف الاتهام والدفاع والشكوى والإجراءات القانونية، وتؤكد أن المصري القديم لم يترك لنا فقط المعابد والتماثيل والمقابر، بل ترك أيضًا تفاصيل صغيرة من حياته اليومية، كتبت على حجر، لتصل إلينا وكأنها رسالة شخصية من الماضي تقول: «اسمعوا دفاعي».

تم نسخ الرابط