رئيس مجلس الإدارة
عمرو عامر
رئيس مجلس الإدارة
عمرو عامر

«شكاوى من زمن الفراعنة».. وثائق تكشف الوجه الآخر لحياة المصري القديم

بردية توثق شكاوي
بردية توثق شكاوي المصري القديم

لم تكن الحياة في مصر القديمة خالية من المشكلات، ولم يكن المصري القديم يعيش بعيدًا عن الأزمات اليومية التي يعرفها الناس في كل زمان. 

 

وخلف مشاهد المعابد الضخمة وتماثيل الملوك ومقابر النبلاء، كانت هناك حياة أخرى يعيشها الفلاح والعامل والموظف والتاجر، بكل ما تحمله من مطالب وشكاوى وخلافات ومشكلات معقدة.

واللافت أن بعض هذه التفاصيل لم تختفِ مع مرور آلاف السنين، فقد ترك المصري القديم وراءه مجموعة من البرديات والوثائق والنصوص التي تكشف أن الإنسان في ذلك الزمن كان يعرف جيدًا كيف يطالب بحقه، وكيف يكتب شكواه، وكيف يلجأ إلى المسؤولين عندما يشعر بالظلم.

عندما تصبح الشكوى وثيقة تاريخية

من بين أهم ما قدمته الوثائق المصرية القديمة للباحثين أنها لم تتحدث فقط عن الملوك والآلهة، وإنما حفظت أصوات أشخاص عاديين عاشوا في المدن والقرى ومواقع العمل.

فمن خلال الرسائل والبرديات والنقوش والوثائق الإدارية، يمكن التعرف على تفاصيل تبدو للوهلة الأولى بسيطة، لكنها تتحول بعد آلاف السنين إلى مصدر مهم لفهم المجتمع.

كانت هناك شكاوى تتعلق بالأجور، وأخرى بالخلافات على الممتلكات، ومشكلات مرتبطة بالعمل أو الضرائب أو الاعتداءات، إلى جانب نزاعات بين الجيران وأفراد العائلات.

وهكذا أصبحت الشكوى التي ربما كتبها صاحبها لحل مشكلة شخصية في وقتها، وثيقة تاريخية تمنحنا اليوم صورة عن المجتمع المصري القديم.

العمال كانوا يعرفون حقوقهم

https://images.openai.com/static-rsc-4/A6kt7A9VIP4ROXfrtdTlMUR9nJNlMjtnuDcnVTiSA1cPfEqqotzIBDgOqkJAqoAQhxrN1FvFOfebHnvkGXc3tUq5_ANGvJBh0YqeFd0Kj7mSGrgh-zsSesciH_8BGzR8U-QipzXg1X_DN9etUjHOSmWLnwCl8VRUGCA4bZnAdQGmNPmWq9cGRXJKVCSnymey?purpose=fullsize

ومن أشهر الأمثلة على ذلك ما ارتبط بعمال دير المدينة، وهم الحرفيون الذين عاشوا بالقرب من وادي الملوك وكانوا مسؤولين عن تنفيذ المقابر الملكية.

وتكشف الوثائق المرتبطة بهم عن مجتمع منظم كان العاملون فيه يعرفون مواعيد الحصول على حصصهم الغذائية ومستحقاتهم، وعندما يتأخر ما يستحقونه كانوا قادرين على الاحتجاج والتعبير عن غضبهم.

ومن أشهر الوقائع الإضراب الذي شهدته منطقة دير المدينة خلال عصر الدولة الحديثة، عندما احتج العمال بسبب تأخر حصصهم الغذائية.

وهنا تظهر صورة شديدة الإنسانية للمصري القديم؛ العامل الذي يذهب إلى عمله، ثم ينتظر أجره، وعندما لا يحصل عليه في الوقت المناسب يطالب بحقه.

«فين الأجر؟».. مشكلة عمرها آلاف السنين

قد تبدو فكرة تأخر الأجور مألوفة جدًا في عصرنا، لكن الوثائق القديمة تؤكد أن مسألة الحصول على المقابل في موعده كانت قضية مهمة أيضًا بالنسبة للمصريين القدماء.

وكان نظام العمل يعتمد في بعض الحالات على الحصول على حصص من الطعام والشراب وغيرها من الاحتياجات، ولذلك فإن تأخر هذه الحصص لم يكن مجرد مشكلة إدارية بسيطة، وإنما كان يمكن أن يؤثر مباشرة على حياة العامل وأسرته.

ومن هنا جاءت الاحتجاجات والإضرابات، التي تكشف أن العمال لم يكونوا مجرد أيدٍ عاملة صامتة، وإنما كانت لديهم القدرة على التعبير عن مطالبهم والضغط من أجل الحصول على مستحقاتهم.

الخلافات لم تكن كلها في العمل

https://images.openai.com/static-rsc-4/FfXcOKQRgleKMu_MX0baDrU-rJTFBqB6ZKNP4emDcHtnYHGPJkOyUU4HHo2TYbEthtfRwCbpb8wza5mkwtS3zNfNsF7Vm0SDdBvOc8eqLEwCLa47Yr3LmJHv8Of1GtuOWsFW-ic2KIq3SCGGAtSHv8RzTyKuQ8p6wZ_wG0tWvMQKHOT4nwmYs1YJPbSXfCpo?purpose=fullsize

لكن عالم الشكاوى المصرية القديمة لم يكن مرتبطًا بالأجور فقط.فالوثائق القانونية تكشف عن نزاعات حول الملكية والميراث والديون والحدود بين الأراضي، إلى جانب قضايا تتعلق بالزواج والطلاق والممتلكات.

وكان اللجوء إلى المسؤولين والمحاكم وسيلة لحسم كثير من هذه النزاعات، وهو ما يكشف عن وجود منظومة قانونية وإدارية كان أفراد المجتمع يتعاملون معها لحماية مصالحهم.

وبعض الوثائق تعطينا تفاصيل شديدة الخصوصية عن حياة أصحابها، حتى إننا نستطيع أحيانًا التعرف على أسماء الأشخاص ومشكلاتهم وطبيعة النزاع الذي دخلوا فيه.

المصري القديم لم يكن صامتًا

ربما تكون أهم مفاجأة تقدمها هذه الوثائق أن المصري القديم لم يكن مجرد شخصية تظهر في النقوش وهي تقدم القرابين أو تعمل في الحقول.

فخلف تلك الصور الرسمية، كان هناك إنسان يشعر بالغضب، ويطالب بحقه، ويختلف مع جاره، ويواجه أزمة مالية، ويبحث عن حل لمشكلة أسرية.

وهذا الجانب الإنساني يجعل الوثائق القديمة أكثر قربًا من القارئ المعاصر، لأنها تكشف أن بعض القضايا التي تبدو حديثة جدًا لها جذور ضاربة في التاريخ.

«رسائل» حفظت أصوات أصحابها

عمال دير المدينة.. وأول عصيان مدني في مصر القديمة! | الجزيرة نت

وتكتسب الرسائل والبرديات أهميتها من كونها تقدم تفاصيل لا تظهر عادة في النصوص الملكية الضخمة.فالملك عندما يسجل انتصاراته على جدران المعبد يروي تاريخًا من وجهة نظر السلطة، بينما تمنحنا رسالة موظف أو شكوى عامل فرصة لرؤية المجتمع من أسفل، من حياة الأشخاص الذين صنعوا تفاصيل الحياة اليومية.

ومن هنا يهتم علماء المصريات بهذه الوثائق، لأنها تساعدهم على إعادة بناء المجتمع بصورة أكثر واقعية، بعيدًا عن الصورة التي تركز فقط على الأهرامات والمعابد والملوك.

حكايات تشبه حياتنا

وربما أكثر ما يجعل هذه الوثائق مثيرة هو أن القارئ المعاصر يستطيع أن يجد نفسه في بعض تفاصيلها.عامل ينتظر مستحقاته، شخص يدخل في خلاف على ملكية، أسرة تختلف على ميراث، أو مواطن يلجأ إلى مسؤول لأنه يرى أن حقه لم يحصل عليه.

وبعد آلاف السنين، لا تبدو هذه القصص غريبة كما قد نتخيل، بل تكشف أن المشكلات الإنسانية الأساسية ظلت موجودة بأشكال مختلفة، حتى مع اختلاف الزمن واللغة ونظام الحياة.

The papyrus of the strikes: administrative document where the strikes occurred during the reign of Ramses III in Deir el Medina are recorded. The city workers interrupted their work when they did not receive their food rations. Egyptian Museum

وفي النهاية، فإن «شكوى» كتبها المصري القديم ربما لم تكن بالنسبة لصاحبها سوى محاولة لإنهاء أزمة عابرة، لكنها بالنسبة لنا اليوم أصبحت نافذة نادرة نطل منها على حياة الناس قبل آلاف السنين.

فبينما حفظت المعابد أسماء الملوك، حفظت البرديات أصوات الناس؛ أصوات العمال والموظفين والفلاحين وأصحاب المشكلات، لتخبرنا أن الحضارة المصرية القديمة لم يصنعها الفراعنة وحدهم، وإنما صنعها أيضًا أناس عاديون عاشوا، وعملوا، واختلفوا، وطالبوا بحقوقهم، وتركوا وراءهم حكايات ما زالت قادرة على أن تبدو معاصرة حتى بعد مرور آلاف السنين.

تم نسخ الرابط