رئيس مجلس الإدارة
عمرو عامر
رئيس مجلس الإدارة
عمرو عامر

عبقرية المصريين القدماء.. كيف صمد هرم خوفو أمام الزلازل 4600 عام؟

الاهرامات
الاهرامات

رغم مرور أكثر من 46 قرنًا على تشييده، لا يزال هرم خوفو الأكبر يقف شامخًا متحديًا الزلازل والعوامل الطبيعية، في مشهد يجسد عبقرية الهندسة المصرية القديمة. 

وكشفت دراسة علمية حديثة أن سر هذا الصمود لا يعود إلى الصدفة، بل إلى تصميم إنشائي بالغ الدقة مكّن الهرم من مقاومة الهزات الأرضية بكفاءة استثنائية، رغم أن بناة مصر القديمة لم يمتلكوا أي تقنيات أو برامج هندسية حديثة.

وأوضحت الدراسة، المنشورة في دورية Scientific Reports التابعة لمجموعة Nature، أن مقاومة الهرم للزلازل جاءت نتيجة تراكم خبرات هندسية عبر قرون من التجربة والتطوير، وهو ما جعل الهرم الأكبر واحدًا من أكثر المنشآت استقرارًا في التاريخ.

تردد اهتزاز يحمي الهرم من الانهيار

أظهرت القياسات أن هرم خوفو يتمتع بتجانس ديناميكي فريد، إذ يهتز بتردد أساسي يتراوح بين 2 و2.6 هرتز، بمتوسط يبلغ 2.3 هرتز، وهو يختلف بصورة واضحة عن التردد الطبيعي للتربة والصخور التي تقوم عليها هضبة الجيزة، والذي يبلغ نحو 0.6 هرتز.

ويرى الباحثون أن هذا الاختلاف الكبير يمنع حدوث ظاهرة "تضخيم الرنين"، وهي الظاهرة التي تؤدي عادة إلى تضاعف تأثير الموجات الزلزالية عند توافق تردد المبنى مع تردد الأرض، ما يمنح الهرم حاجزًا طبيعيًا يحميه من آثار الزلازل.

زلازل قوية... والهرم يواصل الصمود

على مدار نحو 4600 عام، تعرضت المنطقة المحيطة بهرم خوفو لعدد من الزلازل، كان أبرزها زلزال الفيوم عام 1847 بقوة بلغت 6.86 درجة وعلى بعد نحو 70 كيلومترًا من الهرم.

كما تعرضت القاهرة والجيزة في 12 أكتوبر 1992 لزلزال بلغت قوته 5.8 درجة، إلا أن الهرم خرج من الاختبار بأضرار طفيفة للغاية، تمثلت فقط في سقوط حجر واحد من أحجار الكسوة الخارجية، وهو ما اعتبره الباحثون دليلًا عمليًا على قدرة الهرم الفائقة على امتصاص الطاقة الزلزالية.

تصميم معماري سبق عصره

يقع هرم خوفو في شمال غرب هضبة الجيزة، وشُيد خلال عصر الدولة القديمة بين عامي 2600 و2450 قبل الميلاد. وبلغ ارتفاعه الأصلي 146.59 مترًا قبل أن ينخفض حاليًا إلى نحو 137 مترًا نتيجة فقدان أحجار الكسوة والقمة عبر الزمن.

ويتكون الهرم من نحو 2.3 مليون كتلة حجرية، ويضم مجموعة من العناصر الإنشائية الرئيسية، تشمل الممر الهابط، والدهليز الكبير، وحجرتي الملك والملكة، والحجرة تحت الأرضية، وحجرات تخفيف الضغط، إضافة إلى الممرات والفتحات الداخلية.

قياسات دقيقة دون المساس بالأثر

اعتمد الفريق البحثي على أجهزة قياس اهتزازات عالية الحساسية مزودة بمقياس تسارع ثلاثي المحاور ونظام تحديد المواقع العالمي (GPS)، لتسجيل الاهتزازات الطبيعية داخل الهرم دون إحداث أي ضرر بالمبنى الأثري.

ونُفذت القياسات وفق تقنية النسبة الطيفية الأفقية إلى العمودية (HVSR)، مع تسجيل البيانات لمدة 15 دقيقة في كل نقطة، خلال فترات خلت من الحركة السياحية أو أي نشاط بشري قد يؤثر في النتائج.

وشملت الدراسة 37 نقطة قياس موزعة داخل مختلف أجزاء الهرم، بما في ذلك حجرتا الملك والملكة، وحجرات تخفيف الضغط، والممرات الداخلية، والحجرة تحت الأرضية، إضافة إلى الأحجار الخارجية والتربة المحيطة.

حجرات تخفيف الضغط تؤدي دورًا حاسمًا

كشفت النتائج عن اختلاف الترددات بين أجزاء الهرم المختلفة، إذ تراوحت في حجرة الملكة بين 2.1 و2.3 هرتز، بينما وصلت في حجرة الملك إلى 2.6 هرتز، وسجلت حجرات تخفيف الضغط نحو 2.4 هرتز.

كما أظهرت الدراسة أن عامل تضخيم الاهتزازات يزداد تدريجيًا مع الارتفاع، لكنه ينخفض داخل حجرات تخفيف الضغط، وهو ما يؤكد أن هذه الغرف لم تُبنِ فقط لحمل الأحجار الضخمة فوق حجرة الملك، بل تؤدي أيضًا دورًا فعالًا في امتصاص الإجهادات الزلزالية وتقليل تأثيرها على الهيكل الداخلي.

توزيع الكتلة يعزز الاستقرار

أكد الباحثون أن التصميم الهندسي للهرم يعتمد على قاعدة صخرية من الحجر الجيري الصلب، مع تركيز الكتل الحجرية الأكبر في الأسفل وتناقص أحجامها تدريجيًا كلما ارتفع البناء، وهو ما يحقق توازنًا بين مركز الكتلة ومركز المقاومة، ويقلل احتمالات الالتواء أو الانهيار أثناء الزلازل.

أبحاث مستقبلية لفهم سلوك الهرم

قال الباحث محمد الجابري، في تصريحات لـ"ناشيونال جيوغرافيك"، إن نتائج الدراسة تؤكد الكفاءة الاستثنائية للهندسة المصرية القديمة، مشيرًا إلى أن المرحلة المقبلة ستشهد إجراء نماذج رقمية متقدمة وتحليلًا بالعناصر المحدودة، بهدف التنبؤ بدقة بكيفية استجابة هرم خوفو لأي زلازل محتملة مستقبلًا، بما يسهم في دعم جهود الحفاظ على أحد أعظم المعالم الأثرية في العالم.

تم نسخ الرابط