رئيس مجلس الإدارة
عمرو عامر
رئيس مجلس الإدارة
عمرو عامر

من دفاتر المصري القديم.. عندما كتب الفراعنة عن الحب

رسومات المصريين القدماء
رسومات المصريين القدماء

بعيدًا عن جدران المعابد ومواكب الملوك ومشاهد الحروب، تخبئ البرديات المصرية القديمة جانبًا أكثر إنسانية من حياة المصريين؛ جانبًا يتحدث عن الحب والاشتياق والانتظار وجمال المحبوب.

ففي مصر القديمة، لم تكن الكتابة وسيلة لتسجيل الحسابات والمعاملات والنصوص الدينية فقط، وإنما كانت أيضًا مساحة للتعبير عن المشاعر. ومن بين ما وصل إلينا قصائد حب تعود إلى عصر الدولة الحديثة، تقدم صورة نادرة عن الطريقة التي نظر بها المصري القديم إلى الحبيب والحب واللقاء.

«هي التي تشرق الشمس من أجلها».. لغة مختلفة للغزل

من أكثر ما يلفت الانتباه في صور الغزل المصرية القديمة استخدام الطبيعة للتعبير عن جمال المحبوب. فالشمس والزهور والحدائق والمياه والعطور تتحول في النصوص إلى أدوات لوصف الحبيب والتعبير عن أثره في النفس.

ومن الصور التي اشتهرت في الترجمات الحديثة لأدب الحب المصري القديم صورة المحبوبة التي يبدو حضورها مرتبطًا بإشراق العالم من حولها؛ وهي صورة تعكس مكانة الحبيب في وجدان العاشق، وكأن وجوده وحده قادر على تغيير شكل الحياة.

ولا يقتصر الغزل على وصف الشكل، بل ينتقل إلى أثر المحبوب في القلب؛ فمجرد رؤيته أو سماع صوته يمكن أن يتحول إلى لحظة فرح أو سبب في زوال الحزن.

«لا مثيل لها».. المصري القديم يعرف المبالغة في الحب

في قصائد الحب المنسوبة إلى بردية تشستر بيتي الأولى، تظهر المحبوبة بصورة استثنائية، ويصفها العاشق بأنها لا مثيل لها وأنها تتفوق على غيرها من النساء.

وهذه الطريقة في التعبير تبدو مألوفة جدًا للقارئ المعاصر؛ فالعاشق لا يرى محبوبته باعتبارها واحدة من الجميع، وإنما يضعها في مكانة منفردة لا ينافسها فيها أحد.

وتكشف هذه النصوص أن فكرة «المحبوب الذي لا مثيل له» ليست جديدة، وأن المبالغة في وصف الجمال كانت جزءًا من قاموس الغزل قبل آلاف السنين.

«صوتها».. حين يصبح الحبيب علاجًا

 

ولا تتوقف قصائد الحب عند الجمال الخارجي، بل تصور تأثير المحبوبة في العاشق نفسه.

ففي إحدى قصائد بردية تشستر بيتي الأولى، يظهر الحب في صورة قريبة من المرض والشفاء؛ فالعاشق يتحدث عن حالته عندما يغيب محبوبه، ثم يجعل من رؤيته أو سماع صوته سببًا في استعادة قوته وحيويته.

وهنا تتحول المحبوبة إلى ما يشبه الدواء، ويصبح الحب حالة جسدية ونفسية في الوقت نفسه.

هذه الصورة تكشف قدرة الأدب المصري القديم على تحويل المشاعر إلى صور محسوسة؛ فالحب ليس مجرد كلمة، وإنما إحساس يمرض به الإنسان ويشفى بالقرب ممن يحب.

«يدي في يدك».. أبسط صور السعادة

وفي بردية هاريس 500 تظهر قصائد أخرى تحمل صورًا أكثر هدوءًا وحميمية، حيث يصبح القرب من الحبيب مصدرًا للسعادة.

وتظهر صورة اليد التي تمسك يد الحبيب باعتبارها تعبيرًا عن اللقاء والقرب، وهي صورة تبدو بسيطة للغاية، لكنها تكشف عن طبيعة المشاعر التي أراد الشاعر المصري القديم تسجيلها.

فليس المطلوب قصر أو ذهب أو احتفال؛ يكفي أن يكون المحبوب قريبًا، وأن تسير اليد بجوار اليد، ليشعر العاشق بالسعادة.

الزهور والعطور والحدائق.. الطبيعة تدخل قصيدة الحب

ومن السمات اللافتة في أدب الحب المصري القديم ارتباط الغزل بالطبيعة.فالزهور ليست مجرد نباتات، وإنما تحمل دلالات على الجمال والرائحة والحضور. والحدائق تصبح مكانًا للقاء، والمياه والطيور والأشجار تتحول إلى عناصر في المشهد العاطفي.

وهذا الارتباط بالطبيعة يعكس البيئة التي عاش فيها المصري القديم، حيث كان النيل والحدائق والزهور والعطور جزءًا من تفاصيل الحياة اليومية، فدخلت تلقائيًا إلى اللغة الأدبية.

وكأن الشاعر المصري القديم لم يكن بحاجة إلى البحث عن صور بعيدة؛ كان يجد استعاراته في العالم الذي يحيط به.

الحب والانتظار.. «متى يأتي الحبيب؟»

ومن أكثر الجوانب الإنسانية في هذه القصائد حضور الانتظار.فالحب في النصوص المصرية القديمة ليس دائمًا لقاءً سعيدًا؛ هناك أيضًا غياب وشوق وترقب ورغبة في رؤية الحبيب.وتظهر في بعض القصائد صور لشخص ينتظر محبوبه، ويتخيل لحظة وصوله، ويراقب المكان الذي يمكن أن يأتي منه.

وهنا تتحول البردية إلى ما يشبه رسالة شخصية، تحمل مشاعر شخص عاش قبل آلاف السنين، لكنه كان يعرف الإحساس نفسه الذي يعرفه أي عاشق ينتظر رسالة أو لقاء.

«أختي» و«أخي».. كلمات تحتاج إلى فهم

ومن الأمور التي قد تلفت انتباه القارئ في ترجمات قصائد الحب المصرية القديمة استخدام كلمتي «أخي» و«أختي» بين المحبين.وهذه الألفاظ لا ينبغي فهمها دائمًا بمعناها العائلي المباشر؛ فقد كانت ضمن لغة التعبير العاطفي في النصوص المصرية القديمة، ولذلك تظهر في سياق قصائد الحب بين الرجل والمرأة.ولهذا فإن ترجمة النصوص القديمة تحتاج إلى قراءة سياقها الأدبي والثقافي، وليس الاكتفاء بالمعنى الحرفي لكل كلمة.

برديات صغيرة.. وحكاية إنسانية كبيرة

أهمية هذه النصوص لا تكمن فقط في كونها أقدم قصائد حب عرفها التاريخ، وإنما في أنها تمنحنا فرصة لرؤية المصري القديم بعيدًا عن الصورة الرسمية.

فالمصري الذي نراه في النقوش وهو يقدم القرابين أو يعمل في الحقول أو يبني المعابد كان أيضًا إنسانًا لديه قلب ومشاعر، يحب ويشتاق وينتظر ويصف جمال من يحب.

ومن خلال برديات مثل تشستر بيتي الأولى وهاريس 500، يصل إلينا صوت مختلف من مصر القديمة؛ صوت لا يتحدث عن الملوك وحدهم، وإنما عن الإنسان نفسه.

وبعد آلاف السنين، ربما تكون أكثر جملة تختصر هذه الحكاية أن الحضارة المصرية القديمة لم تحفظ لنا فقط أسرار الملوك والآلهة، وإنما حفظت أيضًا بعض أسرار القلوب.

فبين سطور البرديات، ترك المصري القديم رسائل حب لا تزال قادرة على الوصول إلى القارئ المعاصر، لأن الزمن يستطيع أن يغير المدن والملابس واللغات، لكنه لا يستطيع أن يلغي الشعور بالحب والاشتياق.

تم نسخ الرابط