كنوز خرجت من باطن سقارة.. أقنعة ملونة وأوشابتي وأوانٍ كانوبية تكشف أسرار
لا تزال جبانة سقارة واحدة من أهم المواقع الأثرية في مصر، ليس فقط بسبب ما تضمه من مقابر ومنشآت تعود إلى آلاف السنين، وإنما بسبب الاكتشافات المتواصلة التي تكشف لنا في كل مرة جانبًا جديدًا من حياة المصري القديم ومعتقداته.
وتحت طبقات الرمال والتربة، ظلت قطع أثرية كثيرة محفوظة لقرون طويلة، تنتظر اللحظة التي تعود فيها إلى النور لتروي قصة أصحابها، وتكشف تفاصيل عن طقوس الموت والحياة في العالم الآخر.
ومن بين أبرز ما كشفت عنه الحفائر في سقارة مجموعة متنوعة من القطع الجنائزية، تجمع بين الجمال الفني والأهمية الدينية، من بينها أقنعة خشبية ملونة، وتماثيل الأوشابتي، إلى جانب الأواني الكانوبية.
أقنعة خشبية ما زالت تحتفظ بألوانها
من أكثر القطع لفتًا للانتباه الأقنعة الخشبية الملونة، التي تعكس جانبًا مهمًا من الفن الجنائزي المصري القديم.
فالوجه في الثقافة المصرية القديمة لم يكن مجرد ملامح شخصية، وإنما كان له دور رمزي في الحفاظ على هوية المتوفى ومساعدته على الانتقال إلى العالم الآخر.
وتتميز بعض هذه الأقنعة ببقاء أجزاء من ألوانها الأصلية، وهو ما يمنحنا فرصة نادرة للتعرف على الألوان التي استخدمها المصري القديم في تزيين القطع الجنائزية.
ورغم مرور آلاف السنين، لا تزال آثار اللون على الخشب تحمل جزءًا من الصورة التي أراد المصري القديم أن يتركها داخل المقبرة.

الأوشابتي.. خدم العالم الآخر
ومن بين المكتشفات أيضًا عشرات التماثيل المعروفة باسم «الأوشابتي».
وهذه التماثيل الصغيرة كانت جزءًا مهمًا من تجهيزات المقابر المصرية القديمة، إذ ارتبطت بالمعتقدات الخاصة بحياة المتوفى في العالم الآخر.
وكان المصري القديم يعتقد أن المتوفى سيواصل أداء بعض الأعمال والمهام بعد الموت، ولذلك وُضعت الأوشابتي داخل المقبرة لتقوم بهذه الأعمال نيابة عنه وفق المعتقدات الجنائزية.
وهكذا، فإن التمثال الصغير الذي قد يبدو للوهلة الأولى مجرد قطعة فنية، كان يحمل وظيفة دينية ورمزية مرتبطة مباشرة برحلة المتوفى بعد الموت.
الأواني الكانوبية.. حماية أحشاء المتوفى
أما الأواني الكانوبية، فهي من أشهر العناصر المرتبطة بعملية التحنيط في مصر القديمة.وكانت تستخدم لحفظ الأحشاء التي أُزيلت من جسد المتوفى أثناء عملية التحنيط، باعتبار أن الحفاظ على الجسد وأجزائه كان عنصرًا أساسيًا في المعتقدات المتعلقة بالحياة بعد الموت.وتأتي هذه الأواني ضمن منظومة جنائزية متكاملة، لم يكن فيها التحنيط مجرد إجراء لحفظ الجسد، وإنما كان جزءًا من تصور ديني كامل عن الموت والبعث والحياة الأبدية.ولهذا تكشف الأواني الكانوبية جانبًا مهمًا من اهتمام المصري القديم بالحفاظ على جسد المتوفى استعدادًا لرحلته إلى العالم الآخر.
وتعود هذه المجموعة من القطع إلى العصر المتأخر من تاريخ مصر القديمة، وهي فترة شهدت استمرار العديد من التقاليد والمعتقدات الدينية والجنائزية المصرية.ورغم التغيرات السياسية والثقافية التي شهدتها مصر خلال هذه الفترة، استمرت طقوس الدفن والتحنيط وتجهيز المقابر، وظلت المعتقدات المتعلقة بالعالم الآخر حاضرة بقوة.وتقدم لنا هذه القطع دليلًا على استمرار هذه التقاليد وتطورها عبر الزمن.
سقارة.. كتاب مفتوح تحت الرمال
أهمية هذه الاكتشافات لا تكمن فقط في قيمة كل قطعة على حدة، وإنما في الصورة التي ترسمها عندما توضع معًا.
قناع خشبي يكشف لنا عن الفن الجنائزي.
تماثيل أوشابتي تكشف عن المعتقدات المرتبطة بالعمل في العالم الآخر.
وأوانٍ كانوبية تكشف عن طقوس التحنيط والحفاظ على أحشاء المتوفى.
ثلاثة أنواع مختلفة من القطع، لكنها تجتمع في مكان واحد لتخبرنا عن جانب أساسي من حياة المصري القديم: كيف كان ينظر إلى الموت، وماذا كان يتوقع أن يحدث بعده.
رحلة جديدة إلى العالم الآخر
ومع كل اكتشاف جديد في سقارة، تتسع معرفتنا بالحضارة المصرية القديمة.فما يظهر اليوم من تحت الرمال ليس مجرد آثار صامتة، وإنما أجزاء من قصص أشخاص عاشوا قبل آلاف السنين، وكانت لديهم تصورات واضحة عن الموت والبعث والحياة الأبدية.وربما يكون أكثر ما يثير الدهشة هو أن هذه القطع ظلت محفوظة طوال كل هذه القرون، قبل أن تعود اليوم لتقدم للباحثين فرصة جديدة لفهم تفاصيل الحضارة المصرية.
سقارة لا تزال تخبئ الكثير…وكل قناع، وكل تمثال أوشابتي، وكل إناء كانوبي يخرج من باطنها، يضيف سطرًا جديدًا إلى قصة واحدة من أعظم الحضارات التي عرفها التاريخ.
كنوز تحت الرمال
من الأقنعة الملونة إلى الأوشابتي والأواني الكانوبية، تكشف مكتشفات سقارة أن العالم الآخر لم يكن فكرة عابرة بالنسبة للمصري القديم.لقد كان جزءًا أساسيًا من حياته ومعتقداته، انعكس في الفن والعمارة والطقوس والكتابات وتجهيزات المقابر.واليوم، بعد آلاف السنين، تخرج هذه الكنوز من باطن الأرض لتمنحنا فرصة نادرة للعودة إلى ذلك العالم، وفهم كيف واجه المصري القديم فكرة الموت، وكيف استعد لرحلة كان يؤمن أنها ليست نهاية الحياة، وإنما بداية لحياة أخرى.





