رئيس مجلس الإدارة
عمرو عامر
رئيس مجلس الإدارة
عمرو عامر

طفل داخل أمفورتين.. أغرب طرق الدفن التي كشف عنها الموقع الأثري بالدقهلية

الكشف الاثري الجديد
الكشف الاثري الجديد بالدقهلية

كشفت أعمال الحفائر التي تنفذها بعثة أثرية مصرية تابعة للمجلس الأعلى للآثار بمنطقة آثار كوم الخلجان في محافظة الدقهلية، عن دفنة لطفل داخل أمفورتين أُعيد استخدامهما كوعاء للدفن، في اكتشاف يعود إلى العصر البطلمي، ويقدم دليلًا جديدًا على تنوع الممارسات الجنائزية واستمرار استخدام الموقع الأثري عبر عصور مختلفة.

ولا تكمن أهمية هذا الكشف في غرابة طريقة الدفن وحدها، وإنما في أنه يمثل دليلًا على استمرار استخدام الموقع في العصر البطلمي، بعد أن شهد المكان مراحل طويلة من الاستيطان والدفن امتدت لآلاف السنين.

أمفورتان بدلًا من المقبرة التقليدية

الأمفورة أو الأمفورتا هي إناء فخاري كبير كان يستخدم في العصور القديمة لحفظ ونقل مواد مختلفة، مثل السوائل والمواد الغذائية.لكن في حالة الدفنة المكتشفة بكوم الخلجان، خرج الإناء من وظيفته المعتادة ليُستخدم في غرض جنائزي، حيث أعيد استخدام أمفورتين لاحتواء دفنة الطفل.

وتكشف هذه الطريقة عن مرونة وتنوع في الممارسات الجنائزية، إذ لم تكن جميع عمليات الدفن تتم بالطريقة نفسها أو داخل مقابر ضخمة ومجهزة.

لماذا دُفن الطفل بهذه الطريقة؟

لا يمكن الجزم من الاكتشاف وحده بسبب اختيار الأمفورتين لدفن الطفل، فالإجابة تحتاج إلى دراسة كاملة للسياق الأثري والدفنة ومقارنتها بأمثلة أخرى من الفترة نفسها.لكن استخدام الأواني في دفن الأطفال عُرف في عدد من المواقع القديمة، ويرتبط في بعض الحالات بحجم الطفل وطبيعة الدفن المتاحة.

وتظل كل حالة أثرية بحاجة إلى دراسة منفصلة، لأن طريقة الدفن قد تتأثر بالعادات المحلية والفترة الزمنية والمكانة الاجتماعية والظروف المحيطة بالدفنة.

الدفن يكشف أكثر من الموت

بالنسبة لعلماء الآثار، المقبرة ليست مجرد مكان لمعرفة أين دُفن الشخص، وإنما مصدر مهم لفهم المجتمع الذي عاش فيه.فشكل القبر، ووضعية الجثمان، والأثاث الجنائزي، والأواني المستخدمة، وطريقة التعامل مع الدفنة، كلها عناصر تساعد على رسم صورة عن المعتقدات والعادات الاجتماعية.ومن هنا تكتسب دفنة الطفل داخل الأمفورتين أهميتها، لأنها تضيف تفصيلًا جديدًا إلى سجل الممارسات الجنائزية في منطقة شرق الدلتا.

 

لا تأتي هذه الدفنة منفصلة عن تاريخ الموقع؛ فكوم الخلجان يقدم سجلًا أثريًا يمتد عبر فترات زمنية متباعدة.فأقدم المكتشفات بالموقع ترجع إلى حضارة مصر السفلى، بوتو الأولى وبوتو الثانية، خلال النصف الأول من الألف الرابع قبل الميلاد.وعُثر في هذه المرحلة على مقابر ذات حفر بيضاوية بسيطة، تضمنت دفنات اتخذت أوضاعًا جنائزية متنوعة، إلى جانب أوانٍ فخارية صغيرة وأصداف بحرية.ثم ظهرت مراحل أخرى من الاستيطان والدفن خلال عصر الانتقال الثاني والدولة الحديثة، وصولًا إلى العصر البطلمي الذي تنتمي إليه دفنة الطفل المكتشفة داخل الأمفورتين.

من بيوت السكان إلى مقابرهم

وتكشف حفائر الموقع عن صورة أكثر شمولًا للحياة في شرق الدلتا، بعدما عثرت البعثة أيضًا على منطقة سكنية تعود إلى عصر الانتقال الثاني.وضمت المنطقة بقايا مبانٍ من الطوب اللبن، وصوامع لتخزين الحبوب، وأفرانًا ومواقد، إلى جانب أدوات فخارية وحجرية وكميات من عظام الأسماك والطيور والحيوانات.وبذلك لا تحكي كوم الخلجان قصة الموت فقط، وإنما تجمع بين الحياة اليومية والممارسات الجنائزية.

 

ومن أبرز مراحل الموقع أيضًا المقابر التي تعود إلى الأسرات الخامسة عشرة حتى السابعة عشرة وبدايات الدولة الحديثة، وهي فترة ارتبطت بوجود الهكسوس في مصر.وتكتسب المنطقة أهمية خاصة لقربها من أواريس، عاصمة الهكسوس في شرق الدلتا.وقد تنوعت المقابر المكتشفة بين المصاطب والمقابر ذات الكورنيش، كما ظهرت اختلافات في أوضاع الدفن والفئات العمرية والعادات الجنائزية.وضمت بعض المقابر حلي وتمائم وجعارين وأدوات وأسلحة برونزية، بالإضافة إلى أوانٍ فخارية وقنينات من طراز تل اليهودية.

طفل صغير يكشف جانبًا من الماضي

ورغم أن دفنة الطفل قد تبدو للوهلة الأولى تفصيلًا صغيرًا مقارنة بحجم الكشف الأثري، فإنها تحمل قيمة علمية مهمة.فالقطع الأثرية الكبيرة تلفت الأنظار، لكن التفاصيل البسيطة مثل طريقة دفن طفل داخل إناءين قد تساعد في فهم جوانب اجتماعية وإنسانية من الماضي لا تظهر من خلال المباني الضخمة أو النقوش الملكية.

إنها قصة طفل عاش في مصر منذ أكثر من ألفي عام، ولم يبقَ من حياته سوى الدفنة التي تركها خلفه، لكنها اليوم تساعد علماء الآثار على فهم مجتمع كامل عاش في شرق الدلتا.

سجل جنائزي يمتد عبر العصور

تكشف كوم الخلجان في النهاية عن استمرار استخدام المكان للدفن عبر فترات تاريخية متباعدة، من عصور ما قبل الأسرات وحتى العصرين اليوناني والروماني.وهذا الامتداد الزمني يجعل الموقع أشبه بـأرشيف أثري مفتوح، تتغير داخله طرق الدفن وأشكال المقابر والأثاث الجنائزي، بينما يبقى المكان شاهدًا على استقرار مجموعات بشرية متعاقبة في شرق الدلتا.

وتستمر أعمال الحفائر بالموقع للكشف عن المزيد من أسراره، وربما تحمل الاكتشافات المقبلة تفاصيل جديدة عن الطفل ودفنته، وعن المجتمع الذي عاش فيه قبل أن تختفي قصته تحت طبقات الأرض لقرون طويلة.

 

 

تم نسخ الرابط