رئيس مجلس الإدارة
عمرو عامر
رئيس مجلس الإدارة
عمرو عامر

بالصور والخرائط.. رحلة داخل أول مجمع حمامات أثري متكامل

كشف اثري ببورسعيد
كشف اثري ببورسعيد

لم يعد موقع تل ناصر الأثري بمحافظة بورسعيد مجرد اسم على خريطة المواقع الأثرية المصرية، بل أصبح حديث الأوساط العلمية بعد الكشف عن أول مجمع متكامل لمنشآت الاستحمام يتم العثور عليه بالموقع، في اكتشاف يفتح نافذة جديدة على تفاصيل الحياة اليومية لسكان شرق الدلتا قبل أكثر من ألفي عام، ويقدم صورة غير مسبوقة عن مستوى التطور المعماري والهندسي الذي شهدته المنطقة خلال العصرين البطلمي والروماني.

تصميم هندسي متطور يكشف أسرار الحياة اليومية في العصرين البطلمي والروماني

وعند التجول داخل المجمع، تتكشف ملامح منشأة متطورة صُممت بعناية لتلبية احتياجات الاستحمام وفق أحدث النظم المعروفة في ذلك العصر، حيث يضم الموقع وحدة استحمام خاصة وأخرى عامة، إلى جانب منظومة متكاملة لإمداد المياه وتصريفها، في نموذج يعكس مدى التقدم الذي وصلت إليه الهندسة الهيدروليكية في مصر القديمة.

وتبرز داخل وحدة الاستحمام الخاصة أحواض دائرية وأخرى مخصصة لحمامات الأقدام، شُيدت من الطوب الأحمر، بينما غُطيت جدرانها بطبقة من الملاط الوردي المقاوم للرطوبة، كما كشفت الحفائر عن شبكة دقيقة من قنوات الصرف ومبنى يُرجح أنه كان يستخدم في تسخين المياه، وهو ما يشير إلى توفير مستوى متقدم من الراحة والنظافة لرواد المنشأة.

وحدة استحمام خاصة وأخرى عامة ومنظومة دقيقة لإمداد المياه والصرف

أما الحمامات العامة، فتضم غرفتين دائريتين كبيرتين، تحتوي إحداهما على خمس وحدات لحمامات الأقدام، صُممت بمساند للظهر والأذرع وتجويف مخصص للقدمين، إلى جانب أحواض لتجميع المياه وتوزيعها، وأرضيات منفذة من ملاط هيدروليكي مقاوم للانزلاق، بما يعكس دقة في التنفيذ ووعيًا بأهمية السلامة وكفاءة الاستخدام.

ولم تقتصر المفاجآت على مباني الحمامات، إذ كشفت أعمال الحفر عن منظومة هيدروليكية متكاملة تضم قناة رئيسية لنقل المياه بطول يقارب ستة أمتار، شُيدت من الطوب الأحمر وارتفعت عن مستوى الأرض لحماية المياه أثناء انتقالها، كما عُثر على قناة أقدم أسفلها، وشبكة صرف متكاملة تؤكد أن الموقع شهد مراحل متعاقبة من التطوير العمراني.

لقى أثرية نادرة توثق تاريخ الموقع وعلاقاته التجارية عبر البحر المتوسط

ولعل أكثر ما يمنح هذا الكشف أهميته هو ما عُثر عليه من لقى أثرية متنوعة، شملت أختام أمفورات رودسية تحمل أسماء يونانية، وأمفورات محلية ومستورة، وأكواب وأباريق ومسارج فخارية وأواني مائدة، وهي قطع لم تساعد فقط في تأريخ طبقات الموقع، بل كشفت أيضًا عن حجم التبادل التجاري والثقافي الذي ربط شرق الدلتا بمناطق البحر المتوسط خلال تلك الفترات.

كما أثبتت الدراسات الأولية أن الموقع كان مأهولًا قبل العصر البطلمي، وهو ما أكدته طبقات أثرية تعود إلى أواخر القرن الرابع وأوائل القرن الثالث قبل الميلاد، لتعيد رسم التاريخ الزمني للاستيطان في تل ناصر وتمنح الباحثين أدلة جديدة على تطور المنطقة عبر قرون متعاقبة.

الكشف يفتح آفاقًا جديدة لدراسة العمارة والخدمات العامة في شرق الدلتا

ولا يمثل هذا المجمع مجرد منشأة للاستحمام، بل يعد وثيقة أثرية متكاملة تكشف مستوى التخطيط العمراني والخدمات العامة في شرق الدلتا، كما تؤكد أن المنطقة كانت تضم منشآت متطورة تلبي احتياجات السكان، واستمرت في أداء وظيفتها حتى القرن الثاني الميلادي، قبل أن يُعاد استخدام أجزاء منها لاحقًا لأغراض التخزين في العصر الروماني المتأخر.

ويفتح الكشف الباب أمام المزيد من أعمال الحفائر والدراسات العلمية بموقع تل ناصر، الذي بات واحدًا من أهم المواقع الأثرية الواعدة في شرق الدلتا، مع توقعات بأن تحمل المواسم المقبلة اكتشافات جديدة قد تضيف فصولًا أخرى إلى تاريخ الحضارة المصرية القديمة.

تم نسخ الرابط