مومياء الكاهن "نس شو" تثير الجدل.. قدم محفوظة وكأنها حنطت بالأمس
تواصل المومياوات المصرية إبهار الباحثين وعشاق الحضارة القديمة حول العالم، إذ حظيت مومياء الكاهن المصري "نس شو" باهتمام واسع بسبب الحالة الاستثنائية التي حافظت بها قدماها على تفاصيلهما الدقيقة، رغم مرور أكثر من ألفي عام على عملية التحنيط.
وتعود المومياء إلى العصر البطلمي، وهي ليست لأحد الملوك أو أفراد الأسرة الحاكمة، وإنما للكاهن المصري "نس شو"، الذي خضع لعملية تحنيط متقنة مكّنت من بقاء أصابع القدمين والأظافر وتفاصيل الجلد في حالة حفظ لافتة، لتصبح من أبرز النماذج التي يستشهد بها علماء الآثار عند الحديث عن تطور تقنيات التحنيط في مصر القديمة.
اسلوب متقدم في علوم حفظ الأجساد والتحنيط

وبؤكد متخصصون أن هذه الحالة تعكس المستوى المتقدم الذي وصل إليه المصريون القدماء في علوم حفظ الأجساد، حيث اعتمدت عملية التحنيط على إزالة الرطوبة من الجسم باستخدام النطرون، ثم معالجة الجثمان بالزيوت والراتنجات الطبيعية، قبل لفه بطبقات من الكتان، وهي خطوات ساعدت على الحفاظ على الأنسجة لقرون طويلة.
ويرى خبراء أن مومياء "نس شو" تمثل نموذجًا مهمًا لدراسة تقنيات التحنيط المصرية، كما تكشف عن الدقة التي اتبعها المحنطون القدماء في الحفاظ على الجسد، الأمر الذي مكن بعض المومياوات من الاحتفاظ بتفاصيلها التشريحية حتى اليوم.
وتظل هذه المومياء واحدة من الشواهد البارزة على عبقرية الحضارة المصرية القديمة، فيما يواصل الباحثون دراسة أسرارها، بالتزامن مع استمرار الجهود المصرية لاستعادة القطع الأثرية التي خرجت من البلاد عبر فترات زمنية مختلفة.
ويجمع علماء الآثار على أن المصريين القدماء طوروا واحدة من أكثر تقنيات حفظ الجسد تقدمًا في العالم القديم، حيث بدأت عملية التحنيط بإزالة الرطوبة من الجسم باستخدام ملح النطرون، ثم معالجة الجسد بالزيوت والراتنجات الطبيعية التي كانت تعمل على حماية الأنسجة من التحلل، قبل لف الجثمان بعشرات الطبقات من الكتان، في عملية استغرقت نحو سبعين يومًا.
ولم تكن هذه الإجراءات عشوائية، بل اعتمدت على معرفة دقيقة بتشريح جسم الإنسان وخواص المواد الطبيعية، وهو ما يفسر قدرة العديد من المومياوات المصرية على الاحتفاظ بملامحها وأجزائها المختلفة حتى العصر الحديث.
من مصر إلى سويسرا

ورغم القيمة التاريخية الكبيرة للمومياء، فإنها لا توجد داخل مصر حاليًا، إذ خرجت من البلاد منذ أكثر من مائة عام، خلال فترة شهدت انتقال أعداد كبيرة من القطع الأثرية المصرية إلى الخارج، سواء عبر بعثات أجنبية أو من خلال تجارة الآثار التي كانت منتشرة آنذاك.
وتستقر المومياء حاليًا في أحد المتاحف السويسرية، حيث تعد من أبرز القطع التي تجذب اهتمام الزائرين، لما تتمتع به من حالة حفظ استثنائية تعكس براعة المصريين القدماء في علوم التحنيط.
ملف استرداد الآثار يعود إلى الواجهة

وأعاد انتشار صور المومياء على مواقع التواصل الاجتماعي طرح تساؤلات جديدة بشأن إمكانية عودتها إلى مصر مستقبلًا، خاصة في ظل النجاحات التي حققتها الدولة المصرية خلال السنوات الأخيرة في استعادة مئات القطع الأثرية التي خرجت من البلاد بطرق غيرمشروعة.
وتواصل وزارة السياحة والآثار جهودها بالتعاون مع الجهات الدولية لاسترداد الآثار المصرية المهربة، باعتبارها جزءًا أصيلًا من التراث الحضاري والهوية الثقافية المصرية، فيما تبقى بعض القطع الموجودة في المتاحف العالمية خاضعة لاتفاقيات وقوانين دولية تختلف من حالة إلى أخرى.
شاهد حي على عبقرية المصري القديم

ويرى متخصصون أن مومياء الكاهن "نس شو" تمثل شاهدًا حيًا على التقدم العلمي الذي حققه المصري القديم في مجالات الطب والكيمياء والتشريح، حيث أثبتت تقنيات التحنيط قدرتها على مقاومة الزمن لآلاف السنين، لتصل إلينا اليوم بأدق تفاصيلها.
ومع استمرار الدراسات العلمية باستخدام أحدث وسائل التصوير والتحليل، تظل هذه المومياء واحدة من أكثر النماذج إثارة للاهتمام، ليس فقط بسبب حالة حفظها النادرة، وإنما لأنها تروي جانبًا من عبقرية الحضارة المصرية القديمة، التي لا تزال تبهر العالم باكتشافاتها وأسرارها المتجددة، بينما يبقى السؤال مطروحًا: هل تعود هذه المومياء يومًا إلى موطنها الأصلي، لتُعرض بين كنوز الحضارة المصرية التي خرجت منها قبل أكثر من قرن؟





