رئيس مجلس الإدارة
عمرو عامر
رئيس مجلس الإدارة
عمرو عامر

18 مقبرة قلبت الحكاية.. ماذا نعرف الآن عن سكان مارينا القديمة؟

منطقة مارينا العلمين
منطقة مارينا العلمين الأثرية

لم تكن الـ18 مقبرة التي ظهرت في منطقة مارينا العلمين الأثرية مجرد كشف جديد يضاف إلى سجل الاكتشافات في الساحل الشمالي، بل بدت وكأنها قطعة جديدة من أحجية كبيرة تعيد رسم ملامح مدينة متوسطية قديمة عاش فيها أناس تركوا وراءهم تفاصيل من حياتهم ومعتقداتهم وطقوسهم الجنائزية.

ففي الوقت الذي يعرف فيه ملايين المصريين مارينا باعتبارها واحدة من أشهر مناطق المصايف على الساحل الشمالي، تكشف الرمال وجهًا آخر للمكان؛ وجه مدينة قديمة كانت جزءًا من عالم البحر المتوسط، تتحرك فيه التجارة والأفكار والمعتقدات، وتتقاطع فيه التأثيرات المصرية واليونانية والرومانية.

واللافت أن المقابر الجديدة لا تقدم قصة الموت فقط، وإنما تمنح علماء الآثار فرصة للبحث عن قصة الحياة نفسها؛ من هم هؤلاء الأشخاص؟ كيف عاشوا؟ إلى أي طبقات اجتماعية انتموا؟ وما المعتقدات التي حملوها معهم إلى العالم الآخر؟

18 مقبرة.. ولكن الحكاية أكبر من الرقم

تضم المجموعة المكتشفة 18 مقبرة، بينها مقابر منحوتة في الصخر وأخرى مبنية فوق سطح الأرض، وهو تنوع يفتح الباب أمام دراسة طرق الدفن التي اتبعها سكان المدينة خلال فترات زمنية مختلفة.

وتكمن أهمية هذا التنوع في أن المقبرة لم تكن مجرد مكان لوضع الجثمان، وإنما كانت انعكاسًا لمكانة المتوفى وللمعتقدات السائدة لدى أسرته ومجتمعه.

فطريقة تصميم المقبرة، ومواد البناء المستخدمة، ومكان الدفن، واللقى التي توضع بجوار المتوفى، كلها تفاصيل يمكن أن تتحول عند دراستها مجتمعة إلى معلومات عن صاحبها وعن المجتمع الذي عاش فيه.

ومن هنا يصبح السؤال الأهم: هل كانت هذه المقابر تخص فئة واحدة من سكان المدينة، أم أنها تكشف عن مجتمع متنوع الطبقات؟

تحت الرمال.. مدينة أخرى تنتظر القراءة

مارينا الأثرية ليست مجرد جبانة، وإنما موقع يحمل بقايا مدينة قديمة ارتبطت بالحياة على ساحل المتوسط.

ومع كل موسم للحفائر تظهر تفاصيل جديدة تساعد على فهم شكل هذه المدينة وعلاقتها بالمناطق المحيطة بها. فالمقابر، والمنشآت، واللقى الفخارية، والعناصر المعمارية، كلها أجزاء من مشهد واحد.

والأهم أن دراسة الجبانة يمكن أن تساعد في تحديد طبيعة السكان الذين عاشوا في المنطقة، خاصة أن المدن الساحلية كانت عادة أكثر انفتاحًا على حركة الأشخاص والبضائع والأفكار.

وهنا تظهر مارينا القديمة باعتبارها نموذجًا مصغرًا لعالم متوسطي لم تكن حدوده السياسية تمنع انتقال العادات والمعتقدات والتقاليد.

24 قطعة ذهبية.. رسالة من العالم الآخر

ومن بين أكثر تفاصيل الكشف إثارة العثور على قطع ذهبية رقيقة وُضعت داخل أفواه عدد من المتوفين.

هذه الممارسة الجنائزية، المعروفة في بعض المناطق خلال الفترات الهلنستية والرومانية، ارتبطت بمعتقدات حول رحلة المتوفى إلى العالم الآخر.

لكن وجود هذه القطع داخل مقابر مارينا لا يعني ببساطة أن سكانها كانوا يونانيين أو رومانيين، فالمجتمعات القديمة لم تكن بهذه البساطة.

فمصر في تلك الفترة كانت مساحة تلتقي فيها تقاليد متعددة، ويمكن لشخص واحد أو أسرة واحدة أن تحمل مزيجًا من المعتقدات والعادات القادمة من أكثر من ثقافة.

وهذا ما يجعل اللقى الجنائزية مهمة؛ لأنها تساعد على فهم هوية المجتمع الحقيقية بعيدًا عن التصنيفات السريعة.

معتقدات مصرية وسط تأثيرات يونانية ورومانية

ومن التفاصيل اللافتة أيضًا العثور على عناصر تحمل ملامح من المعتقدات الجنائزية المصرية، إلى جانب آثار ذات طابع يوناني وروماني.

وهذا التداخل يقدم صورة عن مجتمع لم يكن يعيش في جزر ثقافية منفصلة، وإنما كان يتفاعل مع التحولات السياسية والحضارية التي شهدتها مصر.

فوجود عناصر مصرية إلى جانب عناصر متوسطية يؤكد أن سكان المدن الساحلية لم يكونوا بالضرورة ينتمون إلى ثقافة واحدة خالصة، وإنما كانوا جزءًا من عملية تفاعل طويلة بين الثقافات.

وربما تكشف الدراسات المستقبلية للمقابر والرفات عن مزيد من المعلومات حول أصول السكان وأعمارهم وحالتهم الصحية وطبيعة حياتهم اليومية.

المقبرة تحكي عن صاحبها أكثر مما نتخيل

عندما يدخل عالم الآثار إلى مقبرة قديمة، فهو لا يبحث فقط عن الذهب أو التماثيل أو القطع النادرة.

أحيانًا تكون أكثر المعلومات أهمية مختبئة في أشياء تبدو بسيطة: شكل عظام المتوفى، وضعية الدفن، الأدوات الموجودة بجواره، نوع الفخار، طريقة إغلاق المقبرة، أو حتى مكان وضع قطعة صغيرة من الذهب.

كل هذه التفاصيل يمكن أن تجيب عن أسئلة كثيرة.

هل كان صاحب المقبرة رجلًا أم امرأة؟ كم كان عمره؟ هل عانى من مرض أو إصابة؟ هل كان يمارس عملًا شاقًا؟ هل كان ثريًا؟ هل كانت أسرته قادرة على تحمل تكاليف مقبرة فاخرة؟

ومن خلال تجميع هذه الإجابات يمكن الانتقال من أثر صامت إلى قصة إنسان عاش قبل آلاف السنين.

مقابر منحوتة في الصخر وأخرى فوق الأرض

وتكشف طبيعة المقابر المكتشفة عن أكثر من أسلوب للدفن، وهو ما يثير تساؤلات حول المراحل الزمنية المختلفة التي مرت بها المنطقة.

فالمقابر المنحوتة في الصخر تحتاج إلى جهد وعمل، بينما تختلف المقابر المبنية من الحجر الجيري في طريقة إنشائها وتصميمها.

وقد يكون هذا الاختلاف مرتبطًا بالفترة الزمنية، أو بالمكانة الاجتماعية، أو بتغير تقاليد الدفن، أو بمجموعة من العوامل مجتمعة.

ولهذا فإن دراسة المقابر ككل، وليس كل مقبرة بمعزل عن الأخرى، قد تساعد في رسم خط زمني لتطور المجتمع الجنائزي في المدينة.

تابوت ضخم يضيف لغزًا جديدًا

ولم تتوقف المفاجآت عند المقابر، إذ كشفت الأعمال أيضًا عن تابوت حجري ضخم، إلى جانب مجموعة من القطع التي تساعد على فهم البيئة الدينية والفنية للموقع.

وجود تابوت بهذا الحجم يطرح سؤالًا حول الشخص الذي أعد له، وما إذا كان ينتمي إلى طبقة اجتماعية ذات مكانة، وهل كان التابوت جزءًا من مقبرة عائلية أم دفنًا فرديًا.

كما أن العثور على عناصر فنية ودينية أخرى في المنطقة يضيف طبقات جديدة إلى القصة، ويؤكد أن مارينا لم تكن مجرد تجمع سكاني بسيط، وإنما كانت مدينة لها بنيتها ومعتقداتها وطبقاتها الاجتماعية.

أبي الهول وأفروديت.. اجتماع رموز من عالمين

ومن بين العناصر التي تزيد المشهد تعقيدًا بقايا تمثال لأبي الهول، إلى جانب تمثال رخامي غير مكتمل يُرجح ارتباطه بالإلهة أفروديت.

وهنا تظهر المفارقة الجميلة في موقع مارينا القديمة؛ رموز مصرية إلى جوار عناصر ذات جذور يونانية، داخل مدينة عاشت في قلب منطقة كانت تتواصل باستمرار مع عالم البحر المتوسط.

وهذه القطع لا ينبغي قراءتها منفردة، بل ضمن السياق الكامل للموقع، لأن اجتماعها معًا يمكن أن يقدم صورة عن طبيعة التفاعل الثقافي الذي شهدته المنطقة.

حتى بئر المياه تغيّر دوره

ومن التفاصيل التي تبدو بسيطة لكنها شديدة الأهمية العثور على بئر مياه أعيد استخدامه لاحقًا لأغراض الدفن.

هذه الواقعة تكشف أن المدينة لم تكن ثابتة على حال واحدة، وإنما تغيرت وظائف بعض منشآتها مع مرور الزمن.

فما كان في فترة ما منشأة مرتبطة بالحياة اليومية والحصول على المياه، تحول في مرحلة لاحقة إلى جزء من المشهد الجنائزي.

وهذه التحولات تساعد علماء الآثار على معرفة كيف تغيرت المدينة، وكيف تعامل سكان الفترات اللاحقة مع المنشآت التي تركها أسلافهم.

44 مقبرة.. ومارينا لم تقل كلمتها الأخيرة

ومع استمرار أعمال البحث، يصبح العدد الإجمالي للمقابر المكتشفة في الموقع رقمًا لافتًا، لكنه في الوقت نفسه لا يعني أن الصورة اكتملت.

فكل مقبرة جديدة قد تغير تفسيرًا سابقًا، وكل قطعة قد تطرح سؤالًا جديدًا، وكل طبقة من الرمال يمكن أن تخفي دليلًا يعيد ترتيب الأحداث.

وهذه هي طبيعة المواقع الأثرية الكبرى؛ لا تقدم تاريخها دفعة واحدة، وإنما تكشفه تدريجيًا، قطعة وراء قطعة، ومقبرة وراء أخرى.

ولهذا تظل مارينا القديمة واحدة من المواقع التي تستحق المزيد من البحث، ليس فقط بسبب قيمة القطع المكتشفة، وإنما بسبب قدرتها على تقديم صورة عن الحياة في مدينة ساحلية مصرية عاشت وسط حركة مستمرة بين مصر والعالم المتوسطي.

الساحل الشمالي.. تاريخ أقدم من المصايف

ربما تكون المفارقة الأكبر في قصة مارينا أن المكان الذي ارتبط في الوعي الحديث بالشواطئ والمصايف والقرى السياحية، كان قبل آلاف السنين يعيش قصة مختلفة تمامًا.

فالساحل الشمالي لم يكن فراغًا جغرافيًا ينتظر ظهور المدن الحديثة، بل كان منطقة مأهولة بالحياة والحركة والتجارة.

والكشف الجديد يعيد التذكير بأن كل متر من هذه الأرض يمكن أن يحمل جزءًا من قصة أقدم بكثير مما نتصور.

من يعيش اليوم فوق مدينة عاش فيها آخرون منذ آلاف السنين؟

هنا تتحول قصة الـ18 مقبرة من خبر أثري إلى سؤال إنساني.

هؤلاء الذين دُفنوا في مارينا القديمة كانت لهم أسماء وعائلات وأعمال ومعتقدات وأحلام، وربما لم يتخيلوا أن المكان الذي عاشوا فيه سيصبح بعد قرون طويلة واحدًا من أشهر مقاصد الساحل المصري.

لكن ما تبقى منهم اليوم ليس مجرد عظام أو أوانٍ أو قطع ذهبية؛ إنها رسائل صامتة تخبرنا أن المدن تتغير، وأن الإنسان يترك أثره حتى عندما تختفي ملامح حياته اليومية.

وبين المقابر واللقى والعمارة، يحاول علماء الآثار إعادة تركيب المشهد: مدينة على البحر، سكان ينتمون إلى مجتمع متنوع، معتقدات تتقاطع، وتجارة تربط المكان بعالم أوسع.

والسؤال الذي يبقى مفتوحًا

ربما لا تكون المفاجأة الحقيقية في عدد المقابر التي اكتُشفت، وإنما في عدد القصص التي يمكن أن تولد منها.

فإذا كانت 18 مقبرة فقط استطاعت أن تكشف هذا القدر من التفاصيل عن سكان مارينا القديمة، فماذا يمكن أن تخفي المنطقة بعد؟ وهل توجد مقابر أخرى لم تصل إليها الحفائر؟ وهل يمكن أن تكشف الدراسات العلمية للرفات عن أصول السكان وأنشطتهم وأمراضهم ونمط حياتهم؟ وهل تساعد اللقى الجديدة في تحديد طبيعة العلاقة بين المدينة والموانئ والمراكز التجارية الأخرى على البحر المتوسط؟

أسئلة كثيرة لا تزال تنتظر إجاباتها، وربما يكون ما ظهر حتى الآن مجرد بداية لحكاية أكبر.

فمارينا الحديثة قد تكون مدينة للسياحة والاستجمام، لكن تحت الرمال توجد مدينة أخرى، مدينة عاش أهلها وماتوا وتركوا وراءهم إشارات قليلة لكنها كافية لفتح باب واسع على الماضي.

 

تم نسخ الرابط